تعتبر منطقة الخليج العربي أكثر بقاع الأرض عرضة للاضطراب، فعلى هذه البقعة تتشابك المصالح الاقتصادية العالمية مع الضغوط السياسية الإقليمية، وبحكم مخزونها النفطي الكبير علاوة على تباين السياسات المحلية تحتل المنطقة مكانة بارزة في الدراسات الاستراتيجية، وفي الوقت ذاته فإن إيران باعتبارها عنصراً أساسياً في استراتيجية الغرب، فهي تحتل مركزاً هاماً في شؤون منطقة الخليج نظراً لما تملكه من إمكانيات بشرية وعسكرية، خاصة وأنها قد أصبحت بعد زوال النظام العراقي الدولة الأكثر قدرة على إحداث التغييرات والتفاعلات في المنطقة.

كما تُشكل الطموحات العسكرية الكبيرة لإيران ومستقبلها الاقتصادي وواقع الحيرة والغموض الذي تعيشه بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة، وتعرضها إلى عوامل متنوعة ذات تأثير ضاغط في السياسة الإيرانية، إذ تتحكم على الصعيد الداخلي في الرخاء الاقتصادي، وتحدي على الصعيد الخارجي علاقاتها مع دول العالم، وقد أدت علاقات إيران الضعيفة نسبياً مع دول الخليج العربي بصفة خاصة إلى تصاعد القلق بشأن استقرار المنطقة ومستقبلها في ظل سعي إيران الدائم لامتلاك أسلحة الدمار الشامل وخاصة الأسلحة البيولوجية والنووية.

على الرغم من أن الوجود الأجنبي المتمثل بالولايات المتحدة وبريطانيا قد أوقفا حدة الأطماع الإيرانية في المنطقة ولو مؤقتاً، إلا أن ذلك لا يعني أن إيران قد نسيت أطماعها، أو أنها توقفت عن فكرة الهيمنة في الخليج العربي، فهي وعلى الرغم من دعوتها إلى التضامن والتعايش السلمي مع جيرانها وقيامها ببعض الأعمال لتخفيف حدة التوتر وانعدام الثقة بينها وبين دول مجلس التعاون الخليجي، فإن خط التوتر بينها وبين جيرانها سيبقى ماثلاً خاصة مع استمرار احتلال إيران لجزر دول الإمارات العربية المتحدة (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) ومحاولتها التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها بصور مختلفة حيث تسعى دوماً لإثارة القلاقل الداخلية لدول الخليج العربية بإثارة النزعة المذهبية للذين يسكنون تلك الدول، وتنهج سياسة تصدير الثورة، وتسعى للتشكيك في أنظمة الحكم بتلك الدول، وترعى العمليات التي تهدد السلام الداخلي فيها.

وفي ظل الأوضاع العسكرية الحـالية لإيران، وفي ظل الغموض الذي يحيط بقدراتها العسكرية، ومن منطلق أطماعها وطموحاتها، فإن الاستراتيجية الدفاعية الخليجية أثبتت للعالم قدرتها الكبيرة في الدفاع عن نفسها والحافظة على مقدراتها بكل كفاءة واقتدار، لقد استثمرت دول الخليج موارد كبيرة في إنشاء أنظمة دفاع متطورة، لا سيما في مجال الدفاع الصاروخي، وتعزيز العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، وتعميق التعاون الإقليمي. وفي الوقت نفسه، وسعياً منها إلى التحوّط من المخاطر، عملت هذه الدول على تحسين علاقاتها مع إيران، انطلاقاً من رغبة مُعلنة في الحدّ من خطر التصعيد معها وتقليل دوافع إيران لإلحاق الضرر بها. لم تكن معارضة دول الخليج للهجوم على إيران نابعة من شكوك حول مبررات هذه الخطوة، بل من توقعها أن تُكبّدها الحرب خسائر فادحة.

إن أمن دول الخليج العربي ليس شأناً محلياً فحسب، بل شأناً عالمياً وأساسياً في استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولية. ومن هنا، يجب أن نؤكد على التمسك بمنطق الدبلوماسية واحترام الأعراف الدولية التي لم تعد خياراً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية هامة وعاجلة لحماية المنطقة من مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.

وهنا لابد أن نؤكد على أن دول مجلس التعاون تحتفظ بحقها الكامل، المكفول بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي، في اتخاذ ما يلزم من تدابير وإجراءات لحماية أمنها واستقرارها، وصون مقدراتها وثرواتها، والرد على هذه الاعتداءات السافرة غير المبررة. كما نؤكد أيضاً على وحدة دول مجلس التعاون وتضامنها الكامل في مواجهة أي تهديد يمس أمنها ومصالحها، مجددين التزامها الثابت بالعمل المشترك لتعزيز استقرار المنطقة وتحقيق السلام والرفاهية لشعوبها.

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ»، «الأنفال: 60».