أمل محمد أمين

في زمن تتسارع فيه الاكتشافات الطبية وتتطور فيه التقنيات العلاجية بصورة مذهلة، يبدو غريباً أن يزداد في المقابل إقبال الناس على الدجل والوصفات الوهمية والعلاجات غير العلمية. لكن الحقيقة أن هذه الظاهرة ليست دليلاً على فشل الطب بقدر ما هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بالخوف والقلق وفقدان الثقة والبحث المستمر عن الأمل.

وهذا يجعلني أسألك حين تمرض، ماذا تبحث أولاً؟

هل تبحث عن الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة؟ أم تبحث عن الأمل حتى لو كان مجرد وهم؟

الحقيقة أن الإنسان حين يتألم لا يفكر دائماً بعقلانية كاملة. أنت، مثل أي شخص، قد تشعر بالخوف حين تسمع تشخيصاً صعباً أو حين يخبرك الطبيب أن العلاج يحتاج وقتاً طويلاً وربما لا يضمن الشفاء الكامل. هنا يظهر الفرق بين العلم والوهم؛ فالطب يحدثك بلغة الاحتمالات، أما الدجل فيمنحك وعوداً مطلقة وسريعة. والإنسان بطبيعته يميل إلى من يطمئنه لا إلى من يصدمه بالحقيقة.

فالإنسان حين يمرض لا يبحث فقط عن دواء، بل يبحث أيضاً عن طمأنينة.. الناس لا «تشتري الوهم» دائماً لأنها ساذجة، بل غالباً لأنها تبحث عن الأمل عندما تشعر أن الطب لم يمنحها إجابة سريعة أو شفاءً كاملًا.

فالطب الحقيقي بطبيعته معقد: بعض الأمراض مزمنة، وبعض العلاجات تحتاج وقتاً، وبعض الحالات لا يوجد لها علاج نهائي أصلاً. هنا تظهر مساحة يستغلها الدجالون أو مروّجو «العلاج المعجزة».

وهناك عدة أسباب تجعل البعض ينجذب إلى الوهم العلاجي منها الخوف واليأس الذي يجعل المريض أو أهله مستعدين لتجربة أي شيء عندما يشعرون بالعجز.

أيضاً الرغبة في الحل السريع: الطب العلمي غالباً يتحدث بلغة الاحتمالات والمتابعة، بينما الدجل يقدم وعودًا قاطعة ومريحة.

كذلك التجارب الشخصية المؤثرة: شخص يقول «تعالجت تماماً» فيبدو الأمر مقنعاً أكثر من دراسة علمية طويلة.

والأسوأ ضعف الثقة بالمؤسسات الطبية: أخطاء بعض الأطباء، ارتفاع التكاليف، أو التعامل الجاف قد يدفع الناس للبحث عن بديل «أقرب إنسانياً».

وأحياناً تُقدِّم وسائل الإعلام ومواقع التواصل الكثير من الشخصيات كخبراء أو «مكتشفين» دون رقابة علمية حقيقية.

لكن هذا لا يعني أن الطب فشل.

الطب الحديث حقق إنجازات هائلة: مثل زراعة الأعضاء، علاج كثير من السرطانات، اللقاحات، جراحات كانت مستحيلة قبل عقود، والسيطرة على أمراض كانت قاتلة. المشكلة أن الناس أحياناً تقارن بين: طب يعترف بحدوده واحتمالاته، ودجل يعد بالشفاء المؤكد بلا أدلة.

والفرق أن العلم يقول:

«هذا العلاج قد ينجح بنسبة معينة ولدينا أدلة».

أما الدجل فيقول:

«شفاء مضمون 100%».

والجملة الثانية نفسياً أكثر جاذبية، حتى لو كانت غير حقيقية.

أيضاً يجب التفريق بين: الطب البديل التكميلي الذي قد يساعد نفسياً أو في تخفيف بعض الأعراض تحت إشراف طبي، وبين الاحتيال الطبي الذي يدفع المرضى لترك العلاج الحقيقي أو استنزاف أموالهم.

لكن ازدياد اللجوء للأوهام ليس دليلاً على انهيار الطب بقدر ما هو دليل على حاجة الناس إلى: تفسير واضح، وتعاطف إنساني، وأمل لا يشعرهم بالعجز.

وعندما يغيب التواصل الجيد بين الطبيب والمريض قد يبحث عن شخص آخر يستمع إليه.

فالطب الحديث يقدم التشخيصات الدقيقة والنتائج المبنية على الدراسات، لكنه في أحيان كثيرة يتحدث بلغة الاحتمالات: «قد يتحسن»، «نسبة النجاح مرتفعة»، «العلاج يحتاج وقتاً». أما الدجال فيقدم ما يريد المريض سماعه مباشرة: «شفاء مضمون»، «علاج نهائي»، «نتائج سريعة». وبين صوت العلم الهادئ وصوت الوهم الواثق، قد يميل البعض إلى ما يمنحه راحة نفسية ولو مؤقتة.

ومع انتشار المقاطع المؤثرة والقصص الفردية، أصبح كثير من الناس يصدقون التجربة الشخصية أكثر من الدراسات العلمية. فمشهد شخص يقول «كنت مريضاً وشُفيت تماماً» قد يكون أكثر تأثيراً عند الجمهور من عشرات الأبحاث الطبية المعقدة. المشكلة إذن ليست في الطب وحده، بل في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع المرض والخوف والألم. فكلما غاب الوعي العلمي وضعفت الثقة وانتشر اليأس، ازدهرت تجارة الوهم. ولهذا فإن مواجهة الدجل لا تكون فقط بمحاربته قانونياً، بل أيضاً ببناء علاقة إنسانية أفضل بين الطبيب والمريض، ونشر الثقافة الطبية، وتعليم الناس أن الأمل الحقيقي لا يقوم على الخداع، بل على العلم والصبر والثقة.

إن أخطر ما في الوهم ليس فقط خسارة المال، بل خسارة الوقت والصحة وربما فرصة العلاج الحقيقي. فبعض المرضى يؤخرون العلاج الطبي انتظاراً لمعجزة يبيعها لهم شخص يجيد الكلام أكثر مما يجيد العلم.

لذلك، وأنت تقرأ أو تسمع عن أي علاج خارق، لا تجعل خوفك يقودك وحده. تمسك بالأمل، لكن لا تسمح لأحد أن يستغل هذا الأمل ليبيعك وهماً. فالطب الحقيقي قد لا يعدك بالمستحيل، لكنه على الأقل يقوم على العلم والتجربة والصدق، بينما الدجل يعيش دائماً على استغلال حاجتك إلى النجاة.