حمدي عبدالعزيز
  • - نحو 26 ألف طفل أصبحوا في مواجهة العنف الرقمي.. هذا ما فعله «كن حراً»
  • - خبراء: الأطفال يتعلمون بالتقليد.. والشاشة تُعلّمهم العنف
  • - العنف الرقمي يُقلّل التعاطف ويصنع شخصية عدوانية
  • - تربويون يحذرون: المراهق يبحث عن قدوة فلا تتركوه للشاشة
  • - قانونيون: التحريض على العنف الرقمي جريمة يعاقب عليها القانون
  • - سبق بحريني بالتصديق على الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات
  • - أهمية الرقابة الأسرية على المحتوى وتشجيع المحتوى الممتع والآمن للأطفال
  • - مبادرات نوعية لتعزيز الرقابة الذاتية من قبل المراهقين والانتقاء الإيجابي

طفل لم يتجاوز عامه الثاني عشر في حالة اندماج تام مع لعبة إلكترونية، يقاتل، ويقتل، ثم يحصد المكافآت، وكلما ارتفع عدد ضحاياه الافتراضيين، ازدادت حماسته واشتعل انفعاله، لأن القتل يعني أنك تستحق المكافأة.. هذا المشهد كان يدور أمام الجد الذي كان يراقب بصمت قبل أن يقرر التدخل: «ماذا تريد أن تكون حين تكبر؟»، أجاب الطفل بلا تردد: «طياراً»، وعلى ذلك الخيط الرفيع بنى الجد جسراً هادئاً، حتى أصبح الحفيد ينجذب تدريجياً إلى ألعاب تحاكي قيادة الطائرات بدلاً من الحرب.

ما قرأته للتو قصة صغيرة حدثت، وهي ليست استثناءً، بل نموذج مصغر لمعركة يومية يخوضها ملايين الآباء والأجداد والمربين في مواجهة ثقافة عنف تتسلل إلى البيوت عبر الشاشات.

العنف سمة بارزة.. والأطفال أكثر

عرضة للتأثر أكد تربويون وقانونيون أن توظيف العنف أصبح سمة بارزة في الدراما العربية والأجنبية وفيديوهات وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، ما زاد من مخاطر تقليد الأطفال والمراهقين له، واضطرت بعض الحكومات إلى حظر ألعاب بعينها إثر ظهور جرائم دموية مرتبطة بها. وخصلت دراسات عدة إلى أن تأثيرات مشاهدة المحتوى العنيف تتنوع بين مباشرة، تتمثل في ارتكاب المشاهد العنيفة الصريحة، وغير مباشرة، تتجسد في الإعجاب بشخصيات الأبطال الذين يقدمون القوة عبر العنف. وذكرت دراسات حديثة أن 60% من الأطفال واجهوا محتوىً عنيفاً بمنصات التواصل الاجتماعي، و1 من كل 3 شاهد فيديوهات تتضمن أسلحة. فيما ذكر صندوق دعم الشباب (2024) أن 70% من المراهقين تعرضوا لمحتوى عنيف واقعي على الإنترنت في 2023 ، وقال معهد تشايلدلايت (2025) أن حالات إساءة معاملة الأطفال التي سهلتها التكنولوجيا في الولايات المتحدة زادت من 4,700 في 2023 إلى 67,000 في 2024. وما يزيد الأمر خطورةً أن الأطفال يعيشون مرحلة «التعلم بالنمذجة» أي التقليد، مما يجعلهم سريعي التأثر بما يشاهدونه، وقد يُعيدون تمثيله في سلوكهم اليومي. أما المراهقون، فهم في مرحلة بناء الهوية وتكوين القيم والبحث عن القدوة والانتماء، وقد يُقدّم لهم المحتوى العنيف نفسه بوصفه رمزاً للقوة وإثبات الذات.

«كن حراً».. نحو 26 ألف طفل بمواجهة الشاشة

في مواجهة هذا الواقع، تعمل جمعية البحرين النسائية للتنمية الإنسانية «نما» عبر برنامجها «كن حراً» وفق مديرة المركز فضيلة حمّاد لبناء شخصيات الأطفال وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على التفكير الإيجابي، ليكون لهم دور فاعل في مجتمعهم.

ويضم البرنامج مشاريع متعددة، منها: «ذكي وأكثر» لحماية الأطفال من مخاطر الأجهزة الذكية كالمحتوى العنيف والتنمر الإلكتروني، و«أنا طفل قوي وذكي وآمن» لتوعيتهم بمهارات الحماية من الاعتداء والتصرف السليم عند مواجهة المعتدين أو التعرض لمحتوى عنيف، فضلاً عن لعبة «قوي وواثق» التفاعلية لتعليم مهارات مواجهة التنمر.

كما أصدر البرنامج قصصاً توعوية للأطفال وأولياء الأمور، من بينها: «شجاعة ناصر»، و«سالم والألوان الذكية»، وكتاب تلوين بعنوان «أنا طفل محترم وذكي وقوي، ووجودي مصدر خير للآخرين»، و«لأنك هبة الخالق»، و«الطالب والتنمر»، و«الاستخدام الذكي للأجهزة الذكية»، و«قل لا للتنمر الإلكتروني». وتكشف الأرقام عن حجم الأثر الذي حققه البرنامج منذ انطلاقه عام 2002 حتى مارس 2026، إذ بلغ عدد المستفيدين من الأطفال - بمن فيهم ذوو الإعاقة - 25,930 طفلاً، فيما استفاد من برامجه 8,567 مراهقاً، و11,260 من أولياء الأمور، فيما تلقى التدريب المتخصص 1,057 شخصاً.

العلوي: الحوار أمضى من المنع

يرى استشاري الإرشاد النفسي والأسري د. خالد العلوي أن المحتوى العنيف يؤثر مباشرةً في الصحة النفسية والشخصية الاجتماعية للأطفال والمراهقين، إذ يُقلّل التعاطف ويُكرّس السلوك العدواني. ويدعو في هذا الإطار إلى البحث عن محتوى إيجابي، ومراقبة استخدام الأطفال للأجهزة، وإطلاق برامج تثقيفية للأهالي والطلاب تُنمّي مهارات التفكير النقدي.

وتجربته مع حفيده خير شاهد على ذلك؛ حين رآه منغمساً في لعبة قتالية تُكافئه على كل عملية قتل، لم يلجأ إلى المنع أو التوبيخ، بل انتظر حتى انتهت الجلسة، ثم انطلق من حلم الطفل بأن يصبح طياراً ليحوّل اهتمامه نحو ألعاب تحاكي قيادة الطائرات، فانجذب الحفيد إليها تدريجياً مع الحفاظ على الحماس والدافعية ذاتيهما.

وشدد العلوي على أهمية الرقابة على المحتوى الإعلامي وتشجيع المحتوى الممتع والآمن، ودعم البرامج التوعوية في المدارس، وسن قوانين تحمي الأطفال من المحتوى العنيف وتُحقق السلامة الرقمية.

ربيع: البحرين سبقت التشريع قبل أن يستفحل الخطر

على الصعيد القانوني، يُشير المحامي محمود ربيع إلى تصاعد الشكاوى المتعلقة بالمحتويات العنيفة التي تُبثّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتُشيع السلوك العنيف لدى المشاهدين، ولا سيما الأحداث والقاصرين. ويؤكد أن قانون العقوبات البحريني يتضمن نصوصاً رادعة تُجرّم الأفعال العنيفة، كما يعتبر التحريض شكلاً من أشكال المساهمة الجنائية، إذ يُعدّ شريكاً في الجريمة كل من حرّض على ارتكابها، فوقعت بناءً على تحريضه، ويُعاقب بالعقوبة ذاتها المقررة لتلك الجريمة.

ويلفت ربيع إلى أن البحرين كانت سبّاقة في التصدي لهذه الظاهرة الإجرامية الحديثة، إذ صادقت في 23 يناير 2017 على الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات بالقانون رقم 2 لسنة 2017، وهي اتفاقية تُوجب على كل دولة طرف تجريم جرائم تقنية المعلومات بما فيها جرائم العنف والاستغلال الجنسي وفق تشريعاتها الداخلية، كما نصت مادتها الحادية والثلاثون على تبادل المجرمين بين الدول الأطراف. ويخلص ربيع إلى أن المحتوى العنيف، متى تضمّن تحريضاً على الجريمة أو بثّ الخوف والفزع في أوساط المجتمع، فإنه يُشكّل انتهاكاً للأمن والاستقرار، ويستوجب المساءلة القانونية.

خليفة: الأسرة أولاً.. والمؤسسات شريكة

ترى التربوية ومستشارة السعادة وجودة الحياة ابتهاج خليفة أن إدمان الأطفال والناشئة على المحتوى العنيف والألعاب الإلكترونية العنيفة يُفضي إلى عزلة اجتماعية وتراجع في التفاعل الأسري، ويُرسّخ لديهم قبول العنف سلوكاً طبيعياً في تعاملهم مع الآخرين، فضلاً عن مشاكل سلوكية ونفسية تتجلى في ارتفاع مؤشر العدوانية والميل إلى استخدام العنف في حل النزاعات. وتدعو إلى تكاتف جميع الأطراف؛ فعلى الأسرة توفير الرقابة وتقنين ما يُشاهَد وفلترته، وتقديم البدائل الهادفة، والحدّ من ساعات الشاشة، وتهيئة أجواء داعمة تقوم على الحوار والتوجيه والقوة الناعمة، وتعزيز القيم وترسيخ السلوكيات المقبولة اجتماعياً. وتنوه بأهمية دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في إطلاق مبادرات نوعية تُعزز الرقابة الذاتية لدى المراهقين وتُنمّي لديهم الانتقاء الإيجابي لما يُشاهَد، ضماناً لمجتمعات خالية من العنف، وتتمتع بصحة نفسية راقية.