في ذاكرة البحرين القديمة، شكل الفريج وطناً صغيراً تنمو فيه العلاقات قبل أن تنمو الأعمار، هناك، في الأزقة الضيقة ورائحة البحر وصوت الأمهات عند الغروب، تشكّلت أولى ملامح الإنسان البحريني؛ تعلّم كيف يربح بكرامة، وكيف يخسر بأدب، وكيف يقف مع جاره كما يقف مع أخيه، واليوم، حين تُطرح فكرة «ملاعب الفريج» برؤية سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، فإن المسألة لا تبدو مشروعاً رياضياً بقدر ما تبدو استعادة ذكية لروح البحرين الأولى، ولكن بلغة المستقبل.
فالملاعب ليست عشباً صناعياً وأعمدة إنارة وشباك مرمى، بل هي إعادة هندسة للعلاقة بين الإنسان ومحيطه، فحين يجد الشاب ملعباً قريباً من منزله، مفتوحاً لأحلامه قبل خطواته، فإن الدولة تمنحه مساحة للعب بجانب مساحة للانتماء. هنا تحديداً تتجلّى الفكرة العميقة للمشروع؛ أن بناء الأوطان لا يبدأ دائماً من المؤسسات الكبرى، بل أحياناً من كرة تتدحرج بين أقدام الأطفال في حيّ شعبي، فتخلق بينهم لغة مشتركة تتجاوز الفوارق الاجتماعية والطائفية والمناطقية.
لقد أدركت البحرين، منذ سنوات طويلة، أن الاستثمار الحقيقي في الإنسان القادر على تحويل التحديات إلى طاقة نهوض، ولذلك تأتي ملاعب الفريج كامتداد طبيعي لفلسفة وطن آمن بأن الشباب قوة استراتيجية لصناعة المستقبل، فمن هذه الملاعب قد يخرج لاعب يمثل المنتخب الوطني، أو قائد شبابي، أو حتى شاب تعلّم من الرياضة الانضباط والصبر واحترام القانون والعمل الجماعي.
وفي المجتمعات الحديثة، أصبحت الرياضة جزءاً من الأمن الصحي والاجتماعي والفكري وليست ترفاً، إن وجود هذه الملاعب في مختلف مناطق مملكة البحرين يعني خلق بيئة يومية تحارب العزلة والخمول والانغلاق، وتفتح أبواب الحركة والحياة والتفاعل الإنساني، إنها تسحب الشباب من الفراغ إلى الفعل، ومن العشوائية إلى الهدف، ومن الجلوس الطويل خلف الشاشات إلى فضاء أكثر اتزاناً وحيوية.
والأهم من ذلك، أن هذه الملاعب تعيد للفريج دوره التاريخي كمؤسسة تربوية غير معلنة، ففي الماضي، كان الشارع يصنع الشخصية، واليوم تعود الملاعب لتؤدي الدور ذاته بصورة أكثر وعياً وتنظيماً، هناك سيتعلم الطفل معنى الفريق، وسيفهم المراهق أن النجاح لا يتحقق فردياً، وسيشعر الشاب بأن الوطن يمنحه فرصة حقيقية ليكون جزءاً من صورته القادمة.
البحرين التي شقّت طريقها عبر الصخور، كما فعل أجدادها في البحر والصحراء، لا تبحث عن حلول مؤقتة، بل عن أفكار تصنع جيلاً أصلب نفساً وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل، وملاعب الفريج مشروع لصناعة الإنسان البحريني القادر على أن يحمل وطنه في قلبه، وفي صحته، وفي أخلاقه، وفي حلمه الكبير.
شكراً لقيادتنا الحكيمة صاحبة الرؤية التنموية المستدامة، وشكراً لسمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة على هذه المبادرات الرائدة وشكراً لسمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة رئيس الهيئة العامة للرياضة رئيس اللجنة الأولمبية البحرينية.
حفظ الله البحرين وشعبها وأبناءها المخلصين من كل شر وأدام الله علينا نعمة العطاء والخير.