يتوجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين هذا الأسبوع لعقد لقاءات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، وذلك بعد أقل من أسبوع على انتهاء زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، في خطوة تراقبها الأوساط الدولية باعتبارها اختباراً لقدرة الصين على الحفاظ على علاقات مستقرة مع واشنطن، دون التخلي عن شراكتها الاستراتيجية مع موسكو.

ومن المقرر أن تستمر زيارة بوتين يومي الثلاثاء والأربعاء، وسط توقعات بأن تتناول ملفات اقتصادية وجيوسياسية كبرى، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.

الذكرى الـ25 لمعاهدة الصداقة

الكرملين أعلن أن بوتين وشي سيبحثان التعاون الاقتصادي بين البلدين، إضافة إلى "القضايا الدولية والإقليمية الرئيسية”، تزامناً مع مرور 25 عاماً على توقيع معاهدة الصداقة الروسية الصينية عام 2001.

وقال بوتين في كلمة مصورة نشرتها وكالة وكالة شينخوا إن العلاقات الثنائية وصلت إلى "مستوى غير مسبوق فعلاً”، مؤكداً أن الشراكة بين موسكو وبكين تؤدي دوراً مهماً على الساحة العالمية.

وفي المقابل، شدد مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف على أن زيارة بوتين "لا علاقة لها” بزيارة ترامب الأخيرة إلى الصين، موضحاً أن التحضير لها تم مسبقاً بعد اتصال مرئي جمع بوتين وشي في فبراير الماضي.

الصين تحاول الجمع بين واشنطن وموسكو

يرى محللون أن بكين تحاول السير في مسارين متوازيين: الحفاظ على التهدئة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه طمأنة روسيا بأنها ما زالت شريكاً استراتيجياً أساسياً.

وقال وانغ زيشن، نائب الأمين العام لمركز الصين والعولمة في بكين، إن "زيارة ترامب كانت تهدف إلى استقرار أهم علاقة ثنائية في العالم، بينما تهدف زيارة بوتين إلى طمأنة شريك استراتيجي قديم”، مضيفاً أن الصين لا ترى أي تناقض بين المسارين.

وخلال زيارة ترامب الأخيرة، وصف شي العلاقات الصينية الأمريكية بأنها "الأهم عالمياً”، داعياً إلى التعامل كشركاء لا كمنافسين، فيما أعلن الطرفان العمل على إطار جديد لإدارة "علاقة مستقرة استراتيجياً” بين البلدين.

"صديق قديم”.. العلاقة الشخصية بين بوتين وشي

العلاقة الشخصية بين بوتين وشي حضرت بقوة خلال السنوات الماضية، إذ سبق أن وصف الرئيس الصيني نظيره الروسي بـ”الصديق القديم”، وهي عبارة نادرة تستخدمها القيادة الصينية مع قادة أجانب مقربين.

وكان بوتين قد زار الصين في سبتمبر 2025 للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون بمدينة تيانجين، وحضور عرض عسكري بمناسبة الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى اجتماعات ثنائية مع شي.

كما زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بكين في أبريل الماضي، حيث أكد شي خلال اللقاء أن العلاقات بين البلدين "ثمينة” في ظل الظروف الدولية الحالية، داعياً إلى تعزيز التعاون الاستراتيجي والدفاع عن مصالح دول الجنوب العالمي.

الحرب في أوكرانيا عززت الشراكة

ازدادت قوة العلاقات الروسية الصينية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، بعدما تحولت الصين إلى الشريك التجاري الأكبر لروسيا، في وقت فرضت فيه الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات اقتصادية واسعة على موسكو.

وأصبحت بكين المستورد الأكبر للنفط والغاز الروسيين، بينما تجاهلت الضغوط الغربية المطالبة بوقف تزويد الصناعات العسكرية الروسية بالمكونات التكنولوجية المتقدمة.

وقال أوشاكوف إن صادرات النفط الروسية إلى الصين ارتفعت بنسبة 35% خلال الربع الأول من عام 2026، مشيراً إلى أن روسيا باتت من أكبر موردي الغاز الطبيعي للصين.

وأضاف أن موسكو لا تزال "مصدراً موثوقاً للطاقة” خلال أزمات الشرق الأوسط، بينما تمثل الصين "مستهلكاً مسؤولاً”.

تعاون أوسع في النفط والغاز

بوتين أشار بدوره إلى أن موسكو وبكين حققتا "تقدماً كبيراً للغاية” في التعاون بمجال النفط والغاز، مؤكداً أن معظم القضايا الرئيسية جرى الاتفاق عليها.

وقال الرئيس الروسي إنه سيكون "سعيداً للغاية” إذا جرى الانتهاء من التفاصيل النهائية خلال هذه الزيارة.

كما اعتبر بوتين أن العلاقات الروسية الصينية تشكل "عامل ردع واستقرار” في العلاقات الدولية، مضيفاً أن التقارب بين البلدين يساهم في موازنة النظام العالمي.

موسكو ترحب بالحوار الصيني الأمريكي

ورغم التقارب الوثيق مع الصين، أبدت موسكو ترحيبها بالحوار الجاري بين بكين وواشنطن، معتبرة أن استقرار العلاقات بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم يصب في مصلحة الاقتصاد العالمي.

وقال بوتين: "سنستفيد فقط من الاستقرار والتعاون البناء بين الولايات المتحدة والصين”.

وتأتي زيارة بوتين في وقت تشهد فيه الساحة الدولية توترات متزايدة مرتبطة بالحرب في أوكرانيا، وأزمات الشرق الأوسط، والمنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين، ما يجعل اللقاء الروسي الصيني محط أنظار العالم.