لقطة يلتقها لنا أبو هريرة رضي الله عنه في يوم يعبق بنور المثابرة وجمال الاجتهاد في الطاعة، إنه اليوم الذي نقلت لنا كتب السنة النبوية تفاصيله وكأننا نشاهده رأي العين، حين صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه صلاة الفجر وصوته النبوي يتردد في جنبات مسجده، يصافح القلوب قبل الآذان، قراءة بترتيل، وركوع بخشوع، وسجود بتذلل.
وبعد الصلاة التي سبحت فيها القلوب في أعماق الإيمان يلتفت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى صحبه الكرام ليسألهم أربعة أسئلة، ثم يعلن بعدها عن جائزة عظمى، فما هي تلك الأسئلة وما هي الجائزة؟.
صح عند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن أصبَحَ مِنكُمُ اليومَ صائِمًا) ؟ قال أبو بَكرٍ: «أنا»، قال: (فمَن تَبِعَ مِنكُمُ اليومَ جِنازةً)؟ قال أبو بَكرٍ: «أنا»، قال: (فمَن أطعَمَ مِنكُمُ اليومَ مِسكينًا)؟ قال أبو بَكرٍ: «أنا»، قال: (فمَن عادَ مِنكُمُ اليومَ مَريضًا)؟ قال أبو بَكرٍ: «أنا»، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (ما اجتَمَعنَ في امرِئٍ إلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ).
في هذه الأسطر نكتشف عمق اغتنام أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- لكل فرصة تقربه إلى الله بعمل صالح دون أن يفوت منها لحظة، يسجل أربع إنجازات عبادية وأربع طاعات توجب لمن عملها الجنة وهو قادم من بيته إلى المسجد لأداء صلاة الفجر.
والسؤال، كم عبادة سجلتُ أنا وكم عبادة سجلت أنت في صحيفة أعمالك منذ فجر إلى الآن لنقيس اغتنامنا للأوقات في العمل الصالح في حياتنا.
أن صاحب الهمة العالية لن يعجز عن أن يصبح صائماً، ويطعم مسكيناً، ويعود مريضاً ويتبع جنازة في يوم واحد، ليسجل اسمه هذا اليوم في قائمة أهل الجنة كما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أقول ذلك لأننا في أيام يعتبر العمل الصالح فيها حبيب إلى الله، ولعل حب الله للعمل في هذه الأيام أكبر حافز لي ولك لنكون أكثر اجتهاداً في الطاعة، وتعلقاً بكل ما يقربنا إلى الله.
لقد اختصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصف هذه الأيام بكلمات قليلة تجعل من يتأملها يعبد النظر في الدقيقة التي تمر في هذه الأيام، ليجعل فيها قبل مرورها عليه عملاً صالحاً يرفع درجته عند الله، وينور به صحيفة أعماله.
أخرج البزار والهيثمي في مجمع الزوائد وصححه الألباني في صحيح الجامع من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أفضلُ أيامِ الدنيا أيامُ العشْرِ) يعني عشر ذي الحجة.
لذا يقول ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف عن عشر ذي الحجة: «لما كان الله سبحانه قد وضع في نفوس المؤمنين حنينًا إلى مشاهدة بيته الحرام.. وليس كل أحد قادراً على مشاهدته في كل عام، فرض على المستطيعِ الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم الطاعات مشتركاً بين السائرين والقاعدين؛ فمن عجز عن الحج في عام، قدر في أيام العشر على عمل يعمله في بيته، يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج. «
إنها الفرصة التي قد لا تتكرر فمن تمام العقل اغتنامها حتى تكون سبباً في رفعة الدرجات، وكسب الحسنات، وغفران السيئات.
وقد يتبادر إلى الذهن أيها أفضل، عشر ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان، يجيب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيقول: «أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان من جهة النهار لأن فيها يوم عرفة، وليالي عشر الأواخر من رمضان أفضل من جهة الليل لأن فيها ليلة القدر» ليجمع الحريص على اغتنام مواسم الطاعات كل المواسم ليربي نفسه على الطاعة، فيكون ممن أحبه الله تعالى، لأن الله يقرب إليه من يحب.
اللهم اجعلنا ممن أحببت ووفقته لما تحب.
باحث شرعي تربوي