عندما كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية عن اسم محمود أحمدي نجاد كشخصية كانت تٌجهز من واشنطن وتل أبيب لإدارة مرحلة انتقالية في إيران بعد سقوط النظام الديني الحالي، تحول الخبر إلى مادة للسخرية السياسية على اعتبار أن الرجل دعا في يوم من الأيام إلى محو إسرائيل من الخريطة.

لقد كان نجاد الذي ترأس إيران منذ العام 2005 وحتى 2013، رمزاً للخطاب المتشدد بعد وصوله إلى سدة الحكم عن طريق دعم المؤسسة الدينية ومكتب المرشد الأعلى.

ومع ذلك، فإن الفكرة التي تبدو في ظاهرها غريبة، لم تكن أبداً خالية من المنطق السياسي، لا سيما بالنسبة لرجل قام بإعلاء قيمة الهوية الفارسية على حساب الأيديولوجية الدينية خلال السنوات الأخيرة.

ولفهم ذلك علينا العودة إلى أوائل الألفية الجديدة حين دخل النظام الإيراني في أزمة داخلية عميقة مع صعود التيار الإصلاحي بقيادة رجل الدين محمد خاتمي، وهنا تحسست المؤسسة الدينية والأمنية بأن مشروع الثورة الإسلامية يواجه خطر «الانهيار الناعم» داخل المجتمع الإيراني، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن الحريات والانفتاح السياسي والعلاقات مع الغرب.

وفي الوقت ذاته، كان المحافظون التقليديون يبحثون عن شخصية قادرة على إعادة تعبئة الشارع الثوري، وإحياء الخطاب الشعبوي المرتبط بالفقراء والطبقات المهمشة، وهذا ما وجد في شخصية نجاد الذي يملك صورة «الرجل البسيط القادم من خارج النخب التقليدية».

أمام تلك المعطيات، أضحى نجاد الشخص المناسب لقيادة تلك المرحلة عندما دعمه المرشد الأعلى السابق، علي خامنئي، والمؤسسة الدينية بقوة لإيقاف ما يمكن وصفه بالمد الإصلاحي، الذي يمكن أن يؤثر على البنية الهيكلية لأسس الثورة.

وبالفعل، نجح أحمدي نجاد، الذي يوصف على أنه «فقير»، في تقديم نفسه كزعيم شعبوي قريب من الشارع ويلامس نبضهم، يهاجم النخب ويتحدث في الوقت ذاته بلغة ثورية بسيطة.

لكن شهر العسل بين نجاد والدولة العميقة لم يستمر في الولاية الثانية، رغم أن المؤسسة الأمنية قمعت الحركة الخضراء التي تعتقد أن الانتخابات زورت لصالح نجاد.

لقد دخل الرئيس الأسبق في حالة تصادم مع التيار المحافظ بل والمرشد الأعلى نفسه عندما امتلك طموحاً شخصياً ورؤية مختلفة لهوية الدولة الإيرانية نفسها.

وجاء العام 2011 مفصلياً في تاريخ أحمدي نجاد عندما وافق على استقالة وزير الاستخبارات دون الرجوع للمرشد، في سابقة اعتُبرت تحدياً مباشراً لسلطة خامنئي، الذي رفض الاستقالة وأجبر حيدر مصلحي على العودة لمنصبه.

منذ تلك اللحظة، تحول نجاد داخل النظام من «الابن المطيع» إلى «شخصية متمردة» ومصدر قلق حقيقي للدولة العميقة في طهران.

ولم تكن السياسة فقط محطة خلاف وحيدة بين نجاد والمؤسسة الدينية في البلاد؛ بل تجاوز ذلك عندما وضع هذا الرجل البسيط قوميته الفارسية فوق أيديولوجيته العقائدية، التي تأسست عليها الثورة العام 1979، مما جعل رجال الدين المحافظون يعتبرونه خطراً عليهم حتى وصل به الحال للإقامة الجبرية في طهران، وهو سلوك معتاد يعمل عليه النظام لإخفاء المعارضة من الداخل.

ويبدو أن التحول في شخصية أحمدي نجاد جعل من اسمه «فرصة محتملة» لبعض الدوائر الأمريكية والإسرائيلية لتنصيبه خليفة للحكم الديني في إيران، لكن المشكلة الكبرى أن أصحاب هذه الخطة أساؤوا فهم طبيعة المجتمع الإيراني، تماماً كما أساؤوا فهم عقل الدولة الإيرانية العميقة وكيفية تفكيرها.

صحيح أن الجمهورية الإسلامية تعاني أزمة شرعية حقيقية بالنسبة لشعب ولد غالبيته بعد العام 1979، ونعم أن قطاعات واسعة من الإيرانيين ناقمة على النظام، لكن ذلك لا يعني أن الإيرانيين مستعدون لقبول أي بديل يُنظر إليه كصناعة أمريكية إسرائيلية.

ولا يمكن إغفال أن الوعي القومي الإيراني، بما في ذلك التيار المعارض للنظام، لا يزال يحمل حساسية تاريخية شديدة تجاه التدخل الخارجي، فيما تعد الذاكرة الإيرانية مشبعة بذكريات انقلاب العام 1953 المدعوم من الغرب، والذي أطاح بحكومة رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق.

ولهذا، فإن أي شخصية تصل إلى السلطة في طهران تحت غطاء المقاتلات الشبحية الأمريكية أو الإسرائيلية ستفقد على الفور جزءًا كبيرًا من شرعيتها الوطنية في الداخل، حتى لو كان أحمدي نجاد الذي صنع لنفسه شعبية كبيرة بين الفقراء والمهمشين.

وربما كان نجاد يمتلك بعض المقومات التي تؤهله للعب دور انتقالي داخل إيران، لكنه بالتأكيد فقد هذه الفرصة لحظة ظهوره كمرشح مدعوم من الخارج.

وهذه الحقيقة تحديداً قد تكون كفيلة بإسقاط أي سيناريو للتغيير حتى قبل أن يبدأ.