منال كويتان

في كل مرحلة تمر بها الأوطان، تبقى منظومة التعليم هي المعيار الحقيقي الذي يُقاس به وعي المجتمع وقدرته على النهوض.

فالتعليم ليس مجرد كتب تُفتح داخل الصفوف، ولا اختبارات تُؤدى في نهاية الفصل الدراسي، بل هو مشروع وطن تُسهم فيه عقول المربين، وصبر الأسر، وطموح الطلبة، ودعم المؤسسات، حتى تتحول التحديات إلى قصص نجاح تستحق أن تُروى.

لقد شهدت البحرين خلال السنوات الماضية تحديات متسارعة فرضت على الجميع إعادة التفكير في أساليب التعليم والتعلم، إلا أن ما حدث لم يكن تراجعاً كما توقع البعض، بل كان انطلاقة جديدة أثبتت أن الإرادة حين تجتمع، تصنع من الصعوبات فرصاً ومن التحديات إنجازات.ومؤخرًا، وبينما كانت المنطقة تمر بظروف دقيقة وأحداث متسارعة ألقت بظلالها على حياة الناس، بقيت البحرين -الجزيرة الآمنة ذات المرافئ المطمئنة- نموذجاً في الثبات والوعي والتنظيم.

ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل بفضل قيادة حكيمة وواعية وضعت الإنسان البحريني في مقدمة الأولويات، وآمنت بأن التعليم ركيزة أساسية لاستقرار الوطن وتقدمه.

فبفضل الرؤية الثاقبة والدعم المستمر، استطاعت المملكة أن تحافظ على استمرارية العملية التعليمية بكفاءة واقتدار، رغم ما شهدته المنطقة من توترات وتحديات.

وفي هذا السياق، برز الدور الكبير الذي قامت به وزارة التربية والتعليم، متمثلةً في جهود سعادة الدكتور محمد بن مبارك جمعة، وزير التربية والتعليم، وجميع المعنيين والكوادر الإدارية والتعليمية بالوزارة، الذين عملوا بروح الفريق الواحد، وسعوا بكل مسؤولية وحرص إلى ضمان استمرار التعليم بأفضل صورة ممكنة، من خلال توفير البدائل المناسبة، ومتابعة سير العملية التعليمية، وتعزيز جاهزية المدارس والمعلمين، بما ضمن استمرارية التعليم بكفاءة وجودة.

لقد كانت الجهود واضحة في الحرص على ألا ينقطع نور المعرفة مهما اشتدت الظروف.

فقد تجلت الجهود في سرعة التعامل مع المتغيرات، ومتابعة احتياجات الميدان التربوي، وتوفير الحلول المناسبة التي عززت من استقرار العملية التعليمية وجودتها، الأمر الذي يعكس رؤية وطنية تؤمن بأن التعليم رسالة سامية لا تتوقف أمام الظروف.

مملكة البحرين تقدم نموذجاً وطنياً يعكس روح التعاون والمسؤولية المشتركة. رأينا المعلم وهو يتحول من ناقلٍ للمعلومة إلى صانع أمل، يقف خلف الشاشة أو داخل الصفوف بكل تفانٍ، يشرح ويحفّز ويبتكر، مؤمنًا بأن رسالته أسمى من كل الظروف.

ورأينا الأسرة البحرينية تؤدي دوراً استثنائياً؛ أمّاً تتابع أبناءها بصبر، وأباً يهيئ بيئة مناسبة للتعلم، حتى أصبح البيت شريكًا حقيقيًا للمدرسة. لقد أثبتت التجربة أن نجاح التعليم لا يُبنى داخل أسوار المدارس وحدها، بل يبدأ من وعي الأسرة وإيمانها بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار.

أما الطلبة، فقد كانوا الوجه الأكثر إلهامًا في هذه الرحلة؛ جيلٌ تعلّم كيف يتجاوز العقبات، ويتعامل مع المتغيرات بثقة، ويواصل طريقه رغم القلق والتحديات. كم من طالبٍ حوّل زاوية صغيرة في منزله إلى مساحة للأحلام والطموح! وكم من طالبة أثبتت أن الاجتهاد لا تحدّه الظروف ولا تعرقله الأزمات!

ومن أجمل ما أفرزته هذه المرحلة أن المجتمع أدرك قيمة المعلم أكثر من أي وقت مضى.

فالمعلم لم يكن يؤدي وظيفة عابرة، بل كان يحمل رسالة إنسانية ووطنية عظيمة.

لذلك، فإن كلمات الشكر مهما بلغت لن تفيه حقه، فهو من يزرع في الأجيال الثقة، ويمنحهم القدرة على صناعة المستقبل.

إن ما تحقق في البحرين لم يكن نجاح أفراد، بل نجاح وطنٍ كامل، التفّت فيه القيادة الحكيمة مع الشعب والمؤسسات في صورة وطنية مشرّفة، تؤكد أن الأوطان التي تؤمن بالعلم قادرة على تجاوز كل التحديات.

ولهذا فإن الحفاظ على هذا النجاح يتطلب استمرار روح التعاون نفسها، وتعزيز ثقافة التقدير لكل من أسهم في هذه المسيرة المباركة.

تبقى مملكة البحرين، رغم كل ما يحيط بالمنطقة من تحديات، أرضاً للأمان والعلم والوعي، ويبقى التعليم فيها رسالة لا تنكسر أمام الظروف، لأن خلفها قيادة حكيمة، ومؤسسات واعية، وشعباً يؤمن بأن الأوطان تُبنى بالعقول قبل كل شيء. وستظل الجهود التي بُذلت من المعلمين، والأسر، والطلبة، ووزارة التربية والتعليم، وجميع الجهات المعنية، صفحات مضيئة في ذاكرة الوطن، تؤكد أن البحرين حين تؤمن بهدفٍ ما، فإنها تصنع منه قصة نجاح تُلهم الجميع.

مستشار تربوي