أيمن شكل


أيّدت محكمة التمييز حكماً تحكيمياً صادراً عن مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، قضى بإلزام إحدى الشركات بسداد مبلغ يتجاوز 12.7 مليون دينار، وذلك بعد رفضها جميع أسباب الطعن المقدمة في دعوى بطلان حكم التحكيم.

وتعود وقائع النزاع إلى إقامة الشركة المحكوم لصالحها دعوى أمام المحكمة الكبرى بواسطة وكيلها المحامي د. علي جاسم البحار، بطلب تذييل حكم التحكيم بالصيغة التنفيذية، فيما بادرت الشركة الأخرى إلى إقامة دعوى متقابلة بطلب وقف تنفيذ الحكم لحين الفصل في دعوى البطلان بصورة نهائية.

وقضت المحكمة الكبرى بتنفيذ حكم المحكمين الصادر من مركز التحكيم التجاري، واستأنفت الطاعنة ذلك القضاء لدى محكمة الاستئناف العليا التي قضت بتأييد الحكم المستأنف. لتطعن الشركة المحكوم ضدها أمام محكمة التمييز، التي انتهت بدورها إلى رفض الطعن وتأييد الحكم المطعون فيه.

وأكدت محكمة التمييز في حيثياتها عدداً من المبادئ القانونية المهمة في مجال التحكيم التجاري، أبرزها أن توقيع الممثل القانوني للشركة على شرط التحكيم يُعد تعبيراً صحيحاً عن إرادة الشخص الاعتباري متى كان متمتعاً بسلطة التمثيل، بما ينفي أي ادعاء بانعدام الأهلية أو الصفة.

إذ إن إرادة الشخص الاعتباري لا تتجسد إلا من خلال ممثله القانوني، متى كان مختصاً بتمثيله وتمتعه بالسلطات اللازمة لذلك.

كما شددت المحكمة على أن نطاق التحكيم يتحدد وفق إرادة الأطراف، وأنه يجوز لهم الاتفاق لاحقاً على إحالة نزاع معين إلى التحكيم، حتى لو لم يكن داخلاً ابتداءً ضمن شرط التحكيم الوارد بالعقد، معتبرة أن هذا الاتفاق اللاحق يُعد بمثابة مشارطة تحكيم مستقلة تحدد موضوع النزاع المعروض على هيئة التحكيم وحدود اختصاصها.

وفي جانب آخر، أرست المحكمة مبدأ مهماً يتعلق بسرية مداولات هيئة التحكيم، مؤكدة أن ما يدور بين المحكمين أثناء المداولة يُعد عملاً داخلياً محاطاً بالسرية الكاملة، ولا يجوز الخوض فيه أو اتخاذه وسيلة للطعن على الحكم، لما يمثله ذلك من مساس باستقلال هيئة التحكيم ونزاهة العملية التحكيمية.

وأشارت المحكمة إلى أن القضاء المقارن استقر على رفض محاولات النيل من أحكام التحكيم عبر البحث في المناقشات الداخلية للمحكمين أو الاستناد إلى شهاداتهم بشأن المداولات، باعتبار أن ذلك يُخل بمبدأ سلامة ونزاهة العملية التحكيمية، ويقوض نهائية الأحكام.

كما استقر القضاء المقارن على أن الاستناد إلى شهادة أحد المحكمين بشأن ما دار في المداولات، أو طلب سماعه لإثبات ذلك، يُعد مساساً بما يُعرف في فقه التحكيم Privilege Arbitral Deliberative، وهو الامتياز الذي يحيط المداولات بسياج من السرية، ويحول دون إخضاعها لأي فحص قضائي، فضلاً عن أن من شأن ذلك أن يفتح الباب أمام ما يُعرف بمحاولات.

Fishing Expedition، أي محاولات للتصيد العشوائي للتنقيب داخل المداولات بحثاً عن أسباب للطعن، وهو ما يتنافى مع طبيعة التحكيم القائمة على السرعة والحسم النهائي.

كما أكدت المحكمة أن العيوب التي تُنسب إلى إجراءات الدعوى، أو إلى ما يتم أمام هيئة التحكيم لا تُعد بذاتها سبباً للبطلان، ولا يترتب عليها أثر قانوني ما لم تبلغ حد الإخلال الجوهري بحق الدفاع أو المساس بالضمانات الأساسية للتقاضي، وكانت من العيوب التي لا تؤثر في سلامة الحكم أو النتيجة التي انتهى إليها، ولا تندرج ضمن حالات البطلان التي حددها القانون على سبيل الحصر.

وأضافت المحكمة أن تقدير ما إذا كانت هذه العيوب قد بلغت درجة الجسامة المؤثرة في صحة الإجراءات، أو لم تتجاوز مجرد مخالفة شكلية أو تنظيمية لا أثر لها، يدخل ضمن السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، متى كان استخلاصها سائغاً وله أصله الثابت بالأوراق.

وأشار المحامي د. علي البحار إلى أن هذا الحكم يُعد من الأحكام القضائية البارزة في مجال التحكيم التجاري، لما كرسه من مبادئ مهمة تتعلق باستقلالية التحكيم، وحجية أحكامه، وحماية سرية مداولات هيئات التحكيم، بما يعزز الثقة في بيئة التحكيم التجاري بدول مجلس التعاون الخليجي، ويدعم استقرار المعاملات التجارية والاستثمارية في المنطقة، وفي مملكة البحرين على وجه الخصوص باعتبارها مقراً للمراكز والمحاكم الإقليمية والدولية في مجال التحكيم التجاري.