هيفاء عدوان

«يا ليلة العيد آنستينا وجددتي الأمل فينا.. هلالك هل لعنينا فرحنا له وغنينا.. وقلنا السعد حيجينا على قدومك يا ليلة العيد»؛ إحدى الأغاني الخالدة التي شذت بها كوكب الشرق، أم كلثوم، بكلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي.

منذ سنوات طويلة، وفي كل ليلة عيد أستذكر كلمات الأغنية، كما أستذكر معها ذكريات طفولة ليست بعيدة، فقد كان صوت أم كلثوم ينعش جنبات البيت، ومعه نسابق الساعات المتبقية لارتداء ملابس العيد ومرافقة الوالد، رحمه الله، لزيارة الأهل والأصدقاء والاستمتاع بأجواء العيد غير متكلفة.

في ليالي العيد كانت طقوس طفولتنا جميلة وبسيطة للغاية، حيث لم نكن نفوت فرصة رمي «الحية بيه»، لنعود بكل لهفة ترافقنا رائحة «الحناء» التي تزين الأيادي، وهي تختلط برائحة «الكعك» والمعمول»، التي كانت تصر الوالدة، أطال الله عمرها، على أن تصنعه بنفسها، فقد كانت تؤكد أن «لا طعم للعيد بدون رائحة الكعك».

اليوم؛ ومع ما يشهده العالم من تغييرات طالت كل مناحي الحياة، بدأت الأجيال الجديدة تفقد القيمة الحقيقية والوجدانية للمناسبات، حيث سيطرت التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل على حياتهم، رغم ما تبذله بعض الجهات الأهلية والرسمية من محاولة ربط الأطفال بالعادات والتقاليد المتوارثة، ومحاولة نقلها للأجيال القادمة باعتبارها إرثاً وطنياً وتاريخياً خالداً، عبر تنظيم احتفالات ومهرجانات الحية بيه والعيد، لإحياء عاداتنا الجميلة والمحافظة عليها من الاندثار وسط تسارع الحياة من حولنا.

ومع ذلك، تبقى المسؤولية الأكبر على الأسرة، باعتبارها الحاضن الأول للهوية والقيم والذاكرة الشعبية، فالعادات والتقاليد تنقل بالممارسات اليومية والحكايات التي ترويها الجدات، وبالأصوات والروائح والتفاصيل الصغيرة التي تصنع وجدان الإنسان وانتماءه الحقيقي.

فالأعياد لم تكن مجرد ملابس جديدة أو موائد، بل مناسبة لتعزيز صلة الرحم، وترسيخ قيم المحبة والتسامح والتكاتف الاجتماعي، حيث كانت البيوت تفتح أبوابها بمحبة دون مواعيد مسبقة.

ورغم ما وفرته التكنولوجيا من وسائل الراحة، إلا أن الخوف لا يزال قائماً في أن تتحول ذاكرتنا الشعبية إلى مجرد صور أرشيفية، أو مقاطع يتداولها الناس في مواسم الأعياد.

الحفاظ على التراث والعادات والتقاليد والهوية مسؤولية وطنية وثقافية، ربما لن يتذكر أطفال اليوم كثيراً من تفاصيل أعيادنا القديمة، لكن يكفي أن تبقى رائحة الكعك وصوت أم كلثوم قادرين على فتح باب الحنين في قلوبهم يوماً ما.وفي كل ليلة عيد، حين يعود صوت أم كلثوم ليملأ الذاكرة قبل المكان، حيث ندرك أن بعض الأشياء لا تشيخ أبداً، وأن أجمل ما نملكه ليس بما لدينا من أموال أو مقتنيات، بل ما نحمله في قلوبنا من حكايات وعادات وتفاصيل صنعت طفولتنا وأيامنا الجميلة.