أكد الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية التزام مملكة البحرين الراسخ بالمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة قبل ثمانين عاماً، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والامتناع عن التهديد بالقوة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، داعيا مجلس الأمن إلى الاضطلاع بمسؤولياته وفقاً للميثاق بما يُعزِّز الثقة في النظام متعدِّد الأطراف.
وأكد وزير الخارجية على ما عبر عنه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، في الاجتماع التأسيسي لمجلس السلام ، بأن الحلول السلمية هي السبيل لتجنب سباق التسلح وضمان استقرار المنطقة.
وشدد الوزير على أن سلامة الملاحة في مضيق هرمز مسؤولية جماعية لا يمكن التغاضي عنها، مؤكدا أن مستقبل الميثاق هو مستقبلنا جميعا، وأن صونه هو صون الأمل في نظام دولي أكثر عدلا وإنصافا.
جاء ذلك في كلمة مملكة البحرين التي ألقاها وزير الخارجية في المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى لمجلس الأمن حول " صون مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتعزيز النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة"، التي عقدت اليوم برئاسة السيد وانغ يي، وزير خارجية جمهورية الصين الشعبية رئيسة مجلس الأمن في الدورة الحالية، وبحضور السيد أنطونيو غوتيرتش الأمين العام للأمم المتحدة، وعدد من رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية في عدد من الدول.
وقال وزير الخارجية إن هذه المناقشة تنعقد في وقتٍ يواجه فيه العالم تحدياتٍ غير مسبوقة، تتداخل فيها الأزمات الإنسانية والنزاعات المسلحة مع تصاعد الإرهاب والتطرف، فضلاً عن التحديات المناخية والصحية والسيبرانية. وقال إنه أمام هذه الظروف، يتعرَّض النظام متعدِّد الأطراف لاختبارٍ حاسم، ويقع على عاتق مجلس الأمن ترسيخ المسؤولية الجماعية لصون السلم والأمن الدوليين، وتحقيق التنمية المستدامة، واحترام حقوق الإنسان.
وقال الدكتور عبداللطيف الزياني إنه انطلاقاً من مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، يجب أن تكون معاناة الشعب الفلسطيني في صدارة جهود المجتمع الدولي، دفاعاً عن حقه في إقامة دولةٍ مستقلةٍ ذات سيادةٍ وفقاً لحل الدولتين، مع الإسراع في منحها العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. وقال إن مملكة البحرين تدعم نتائج الاجتماع الأول لمجلس السلام، برئاسة فخامة الرئيس دونالد ترامب، الرامية إلى إنهاء الحرب في غزة والشروع في إعمارها، وإطلاق عملية سياسية شاملة تُمهِّد لسلامٍ عادلٍ ودائمٍ وشاملٍ في الشرق الأوسط، وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم (2803).
وأشار وزير الخارجية إلى أن المدنيين، خصوصاً النساء والأطفال، يتحمَّلون العبء الأكبر من النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، حيث أسهمت النزاعات في تفاقم انعدام الأمن الغذائي لأكثر من 266 مليون شخص، وتجاوز عدد النازحين حول العالم 123 مليون إنسان.
وقال إن إغلاق إيران لمضيق هرمز تسبَّب في اضطراب أسواق الطاقة والممرات الحيوية، وتوقُّف إمدادات الغذاء والدواء، وتعطُّل حركة التجارة الدولية، مما يُلحق بالاقتصاد العالمي خسائر تُقدَّر بتريليونات الدولارات، وقد دفع ذلك كثيراً من الدول إلى اتخاذ تدابير طارئة لحماية المستهلكين.
وأكد وزير الخارجية موقف مملكة البحرين الداعي إلى ضرورة امتثال الجمهورية الإسلامية الإيرانية لالتزاماتها الدولية، وفقاً للقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، والالتزام بقرار مجلس الأمن رقم (2817)، الذي أيَّدته 136 دولة، وبقرار مجلس حقوق الإنسان رقم (61/1) الذي اعتُمد بتوافق الآراء، بما يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز وسائر الممرات المائية الدولية ومنع فرض الرسوم، إضافةً إلى الكفِّ عن دعم الوكلاء والميليشيات المسلَّحة، وإنهاء الأنشطة المُزعزِعة للاستقرار.
وعبر الوزير عن التقدير لفاعلية القوات المسلحة الباسلة في مملكة البحرين والدول الشقيقة في التصدِّي للهجمات الإيرانية، مؤكدا على الحقوق المشروعة للدول المتضررة في جبر الضرر والتعويض العادل.
وأعرب وزير الخارجية عن ترحيب مملكة البحرين بالتقدم الملموس الذي أحرزته المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بجهود مقدرة من جمهورية باكستان الإسلامية الشقيقة، وما وصلت إليه من مراحل متقدمة تمهد للتوقيع على مذكرة تفاهم تؤسس لسلام دائم في المنطقة. وأشاد بالدور الريادي لفخامة الرئيس دونالد ترامب وإرادته الصادقة في إحلال السلام، وما قام به من مشاورات مع قادة دول المنطقة، بما يجسد نهج الدبلوماسية الفاعلة سبيلاً لحل النزاعات. وقال إننا إذ ندعو إلى استكمال هذا المسار بما يكفل معالجة كافة القضايا الجوهرية في هذا النزاع، فإننا نؤكد ما عبر عنه حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، في الاجتماع التأسيسي لمجلس السلام، بأن الحلول السلمية هي السبيل لتجنب سباق التسلح وضمان استقرار المنطقة، ونتطلع إلى أن تثمر هذه الجهود الخيرة عن سلام شامل ودائم يعم خيره شعوب المنطقة والعالم أجمع.
وقال إنَّ تحقيق السلام في المنطقة يتطلَّب جهداً جماعياً لإحلاله في غزة واليمن والسودان وليبيا ولبنان، ودعم سوريا والعراق في مسيرتهما نحو الاستقرار والازدهار. كما يتطلَّب معالجة كافَّة القضايا الجوهرية، بما فيها البرنامج النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية ودعم الميليشيات المسلَّحة، بما يمنح شعوب المنطقة الفرصة للسلام والتنمية والتعايش السلمي فيما بينها. وأضاف أنَّ السلام في منطقتنا يبقى متشابكاً مع السلام والاستقرار في العالم، خاصةً في القارة الأوروبية الجارة، وندعم في هذا الإطار كلَّ الجهود الدبلوماسية لتسوية كافة النزاعات بالوسائل السلمية، وفقاً لمبادئ الميثاق.
وأكد وزير الخارجية أنَّ سلامة الملاحة في مضيق هرمز مسؤوليةٌ جماعيةٌ لا يمكن التغاضي عنها، وأساسٌ لأمن إمدادات الطاقة والغذاء والدواء، وانتظام التجارة العالمية، وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وقرارات مجلس الأمن والمنظمة البحرية الدولية.
وأكد الوزير أنَّ مملكة البحرين، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، وتوجيهات صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، ملتزمةٌ بتعزيز التعاون متعدد الأطراف، مشيرا إلى عضوية المملكة في مجلس الأمن لعامَي 2026 و 2027، ورئاستها لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودورها الفاعل في جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، يعكس تفانيها في هذه المهمة، بما فيها تعزيز أجندتَي المرأة والسلام والأمن، والشباب والسلام والأمن.
وقال إن مملكة البحرين، في ظلِّ التحديات التكنولوجية والرقمية التي تواجه النظام متعدِّد الأطراف، تعمل على ترسيخ التعاون والشراكات الدولية الفاعلة، بما فيها مساهمات جمهورية الصين الشعبية الصديقة، وعلى توظيف الابتكارات الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي بصورةٍ مسؤولةٍ وآمنة، تحفظ حقوق الدول النامية وتُقلِّص الفجوة الرقمية، وتُرسِّخ قيم التعايش، وتُسهم في نبذ التطرف عبر المنصات الإعلامية والرقمية، مؤكدا اعتزاز المملكة بمبادراتها الرائدة، كمركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، وجائزة الملك حمد للتعايش السلمي، انطلاقاً من "إعلان مملكة البحرين" لحرية الدين والمعتقد.
وشدد الوزير على أن مملكة البحرين تدعو إلى تطويرٍ شاملٍ للأمم المتحدة ومؤسساتها، بما فيها مجلس الأمن، بما يستجيب للواقع الراهن ويُعزِّز كفاءتها ونزاهتها، خدمةً لأهداف التنمية المستدامة وميثاق المستقبل، مؤكدا إنَّ مستقبل الميثاق هو مستقبلنا جميعاً، وإنَّ صونه هو صون الأملِ في نظامٍ دوليٍّ أكثر عدلاً وإنصافاً، مجددا التزام مملكة البحرين، من موقعها في مجلس الأمن، بالعمل مع الدول الأعضاء والمنظمات الدولية والإقليمية، حتى يبقى الميثاق حيّاً، والأملُ ممكناً، والسلامُ واقعاً، لكلِّ شعوب العالم.