كنت في زيارة لأحد معارض الجمعيات المتخصص في خدمة الحجيج بالمملكة العربية السعودية، وكم كنت مذهولة من الكفاءة العالية والمبادرات المميزة للمبادرات التي تقدمها تلك الجمعيات لخدمة الحجاج؛ فجمعية مختصة في تبريد الحجاج، حيث توفر جميع أجهزة التبريد بدءاً بأجهزة تبريد الأماكن، مروراً لأجهزة تبريد الأطعمة، وانتهاءً بأجهزة تبريد المصابين بضربات الشمس، وجمعية مختصة في توفير الأطعمة والمغذيات، وغيرها من الاختصاصات.
وقد استوقفني هذا المعرض حيث تتميز مبادرات الجمعيات بالإبداع وتوظيف التكنولوجيا، حتى أدركت أنه لم يعد الحج في العصر الحديث مجرد رحلة إيمانية تعتمد على الاجتهاد الفردي والخبرة التقليدية، بل أصبح بيت خبرة عالمياً لكيفية توظيف التكنولوجيا في خدمة الإنسان وتنظيم الحشود الضخمة. فمع توافد ملايين الحجاج من مختلف دول العالم، باتت التقنيات الحديثة عنصراً أساسياً في تسهيل أداء المناسك وتحسين التجربة الروحية للحجاج.
ومن أبرز هذه التقنيات تطبيقات الترجمة الفورية التي ساعدت على تجاوز حاجز اللغة بين الحجاج والعاملين والمتطوعين. فالحاج اليوم يستطيع طلب المساعدة، وفهم التعليمات، والتواصل مع الآخرين بسهولة عبر هاتفه المحمول، مما يعزز الشعور بالأمان والطمأنينة.
كما لعبت تطبيقات الخرائط الذكية دوراً مهماً في مساعدة الحجاج على التنقل بين المشاعر المقدسة وتحديد مواقع المخيمات ومحطات النقل والخدمات الصحية. وفي مواسم يشهد فيها المكان كثافة بشرية هائلة، أصبحت هذه التطبيقات وسيلة فعالة لتقليل الضياع والارتباك، خاصة لكبار السن.
أما على مستوى إدارة الحشود، فقد استوقفني أن هناك برامج أكاديمية متخصصة في إدارة الحشود وتفويج الحجاج، سواء في مجال الهندسة أو مجال الإعلام والاتصال لكيفية التعامل مع الحشود من لغات جنسيات مختلفة. نعم.. لقد أسهمت أنظمة الذكاء الاصطناعي والكاميرات الذكية وتحليل البيانات في مراقبة حركة الملايين وتنظيم تدفقهم بشكل أكثر أماناً وانسيابية. وأصبح بالإمكان التدخل السريع عند حدوث الازدحام أو الحالات الطارئة، مما ساعد على تقليل المخاطر وحماية الأرواح.
ورغم هذا الحضور التقني الكبير، فإن الجانب الروحي للحج لم يتراجع، بل ربما ازدادت قدرة الحاج على التفرغ للعبادة والسكينة بعيداً عن القلق المرتبط بالتنقل أو التنظيم. فالتكنولوجيا هنا لم تكن بديلاً عن روحانية الحج، وإنما أداة لخدمة الإنسان وتمكينه من أداء الشعيرة بيسر وطمأنينة. وهكذا يقدم موسم الحج صورة معاصرة تجمع بين الإيمان والعلم، وتؤكد أن التقنية حين تُستخدم بحكمة يمكن أن تصبح وسيلة لتعزيز القيم الإنسانية والروحية معاً.. وتقبل الله من الجميع صالح أعمالهم.