د. توفيق السباعي

بين مشاعر الإيمان وسكينة المناسك، وبين حرارة الصيف والتحدّيات الميدانيّة؛ تكتب المملكة العربية السعودية في كل موسم حج فصلاً جديداً من فصول الشرف العظيم في خدمة ضيوف الرحمن. وما موسم حج 1447هـ - 2026م إلا صفحة مضيئة أخرى تضاف إلى سجلّ المملكة العربيّة السعوديّة الحافل في خدمة الحجيج تنظيماً وأماناً وابتكاراً؛ صفحة يتجدد فيها المعنى العميق للحج، لا بوصفه تجمعاً بشرياً هائلاً فحسب، بل رسالة دينية وحضارية وإنسانية تتولاها المملكة بعزم الدولة وصدق الرسالة ورفعة المسؤولية.

فمنذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيّب الله ثراه، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود عاهل المملكة العربية السعودية حفظه الله ورعاه، وبمتابعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي حفظه الله، ظل الحج في الوجدان السعودي أمانة كبرى تُدار بمنطق الرسالة الخالدة؛ فالغاية واحدة منذ البدايات: خدمة ضيوف الرحمن، أما الوسائل فتتطور كل عام بما يليق بمكانة الحرمين الشريفين، وبما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي جعلت تحسين تجربة ضيوف الرحمن أحد مساراتها الكبرى نحو أكثر جودة وكفاءة وإنسانية.

وقد جاء موسم حج هذا العام ليؤكد أن النجاح حين يتكرر لا يصبح أمراً عادياً، بل يتحول إلى مدرسة في الإدارة والجاهزية والتطوير المستمر؛ إذ بلغ عدد حجاج هذا الموسم أكثر من 1.7 مليون حاج وحاجة من مختلف دول العالم، في مشهد يعكس انسيابية التنظيم وارتفاع مستوى الجاهزية، ويبرز عمق الاستثمار في البنية التحتية وتكاملها مع الحلول الرقمية الحديثة، وحجم المسؤولية التي تتحملها المملكة في إدارة واحد من أعظم التجمعات الإيمانية والإنسانية في العالم.

لكن الأهم من الرقم هو ما وراءه من منظومة متكاملة؛ فالحج اليوم لم يعد يُدار بالجهد الميداني وحده، رغم عظمته، بل بمنظومة ذكية تجمع بين التخطيط المبكر، والتحليل اللحظي، والتكامل بين الأجهزة، وقياس جودة الخدمة. ومن هنا، لم تعد رحلة الحاج تبدأ من لحظة وصوله إلى الأراضي المقدسة، بل من بلده، حيث تبرز مبادرة «طريق مكة» الذكية نموذجاً عملياً للتيسير المبكر، واختصار الجهد والوقت، وتهيئة الحاج لرحلته الإيمانية بطمأنينة. ثم تمتد العناية به عبر مراحل التسجيل والوصول وأداء المناسك والتنقل بين المشاعر، وصولاً إلى المغادرة والعودة سالماً إلى وطنه، في منظومة تقيس جودة التجربة، وتقرأ أثرها، وتُطوّر تفاصيلها عاماً بعد عام.

وفي هذا المشهد العظيم، تبدو التقنية حاضرة دون أن تطغى على الروح، والنظام حاضراً دون أن يزاحم السكينة، والحوكمة حاضرة دون أن تنتزع من الحج معناه الإيماني. فالمملكة استطاعت أن تجعل من الذكاء التنظيمي خادماً للطمأنينة، ومن البيانات وسيلة لحماية الإنسان، ومن التنسيق المؤسسي جسراً يعبر عليه الحاج إلى مناسكه بأمان ووقار.

كما يظل خلف هذا المشهد الإيماني العظيم عمل مؤسسي ضخم لا يطلب الأضواء بقدر ما يصنع الطمأنينة. رجال أمن، وكوادر صحية، وفرق ميدانية، ومرشدون، وتقنيون، ومتطوعون؛ جميعهم يتحركون في منظومة واحدة، عنوانها أن خدمة الحاج شرف، وأن راحته أمانة، وأن نجاح الموسم لا يكتمل إلا حين يعود ضيف الرحمن وقد حمل في قلبه سكينة المكان وكرم الرعاية.وهكذا، لا تأتي قصة نجاح الحج في السعودية بوصفها حدثاً ينتهي بانتهاء المناسك، بل بوصفها مسيرة متصلة تتجدد كل عام؛ فما إن يكتمل موسم حتى تبدأ ملامح الاستعداد للموسم الذي يليه، في نهجٍ يؤكد أن خدمة ضيوف الرحمن وعدٌ دائم بمزيد من العطاء والتطوير والإتقان.

اللهم اجعل حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، واجزِ المملكة العربية السعودية وقيادتها خير الجزاء على هذه الرسالة الخالدة التي حملتها بأمانة، وأدّتها بشرف، وستواصلها بإذن الله بعزمٍ لا يلين وإيمانٍ لا ينطفئ. تقبّل الله من الجميع صالح الأعمال، وكل عام وأنتم بخير.