«.......وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ......»، (سورة البقرة: الآية: 195)، فبعض التهلكة تدخل في صمتٍ كامل عبر كأسٍ بارد أو مشروبٍ عابر، يحمل داخله مادةً لا لون لها ولا رائحة، لكنها قادرة على إسقاط الوعي وخطف الإنسان من نفسه في دقائق معدودة، إنها واحدة من أخطر الحروب الناعمة والخفية التي بدأت بعض المجتمعات تواجهها اليوم، حيث يتحول السم إلى أداة صامتة تستهدف العقل قبل الجسد، والأمان قبل الحياة.

وفي تحولات العصر الاجتماعية والانفتاح الرقمي وتغيّر أنماط التجمعات البشرية، يبرز التحذير الذي أشار إليه العقيد أسامة بحر ضمن برنامج وزارة الداخلية البحرينية الخطر العالمي الذي يتسلل بهدوء إلى المجتمعات الحديثة بوصفه قراءة أمنية استباقية كنوع من التوعوية فيما يخص المواد التي تُعرف في الأدبيات الجنائية بمواد «التخدير الخفي» أو «الاغتيال الصامت للوعي»، والتي أصبحت جزءاً من أنماط جرائم معقدة تستغل غياب الانتباه وثقة الضحية، وتتحرك في المساحات المزدحمة والأماكن المغلقة والحفلات الخاصة، حيث يكفي للحظة غفلة واحدة أن تغيّر مصير إنسان بالكامل.

وتأتي هذه السموم غالباً عبر شبكات تهريب غير مشروعة، أو من خلال إساءة استخدام بعض العقاقير الطبية المهدئة والمؤثرة على الجهاز العصبي، مثل مركبات «GHB» و»الكتامين» وبعض المهدئات الكيميائية التي تذوب سريعاً في المشروبات دون أن تترك أثراً واضحاً في الطعم أو الرائحة أو اللون، وتشير تقارير دولية إلى تصاعد جرائم «تسميم المشروبات» خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت أجهزة الشرطة في عدد من الدول الأوروبية آلاف البلاغات المرتبطة بخلط السموم بالمشروبات أو استخدامها لإفقاد الضحايا القدرة على المقاومة والإدراك.

الأخطر في هذه المواد أنها لا تستهدف الجسد وحده، بل تضرب الوعي والذاكرة معاً، فالضحية قد يشعر بدوار مفاجئ، وتشوش في الرؤية، وضعف في التوازن، ثم يدخل في حالة فقدان إدراك مؤقت، وأحياناً يستيقظ وهو لا يتذكر شيئاً مما حدث، ولهذا تُعد سرعة الفحص الطبي وتحليل الدم عنصراً حاسماً في كشف الجريمة، لأن بعض هذه المواد تتلاشى من الجسم خلال ساعات قليلة، ما يجعل إثباتها لاحقاً أكثر تعقيداً، وقد كشفت دراسات جنائية حديثة أن هذه الجرائم تُستخدم في الاعتداءات والسرقات والابتزاز، مستهدفةً غالباً الفئات الأصغر سناً ممن يفتقرون إلى الوعي بخطورة المشروبات مجهولة المصدر أو البيئات غير الآمنة.

البحرين، ولله الحمد، لم تسجل مثل هذه الوقائع، غير أن الدول الواعية لا تنتظر وقوع الكارثة حتى تتحرك، فالمعركة هنا معركة وعي مجتمعي شامل يبدأ من الأسرة، حين يعرف الأبناء أن أي مشروب مجهول قد يخفي خطراً لا يُرى، ويمتد إلى المدارس والجامعات والإعلام ومنصات التواصل والأماكن العامة، عبر حملات توعوية مستمرة، وتشديد الرقابة، وتدريب العاملين في الأماكن العامة على اكتشاف الحالات المشبوهة، وتكثيف أدوات الرصد والكاميرات، وتفعيل المسؤولية المجتمعية باعتبارها خط الدفاع الأول عن أمن المجتمع.

إن أخطر السموم هي التي تقتل شعور الإنسان بالأمان داخل وطنه، ولهذا فإن بناء الوعي اليوم ضرورة وطنية وأخلاقية لحماية المجتمع من جرائم تتخفى خلف المظاهر العادية والابتسامات الباردة- احذر عدوك مرة .. واحذر صاحبك ألف مرة -، فالجريمة الحديثة قد تختبئ داخل كأسٍ يبدو عادياً يقدم بيد ذئاب بشرية ماكرة بوجوه ملائكية... وحتى لا نبكي بعد فوات الأوان، فحكمة الأولين تقول: «مو كل براق ذهب».

* إعلامية وباحثة أكاديمية