رائد البصري

في زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا وتتزاحم فيه الشاشات على انتباه الإنسان، يبدو الحديث عن الكتاب وكأنه حديث عن "جليس مفقود” غاب عن كثير من البيوت والعقول. فالكتاب لم يكن يوماً مجرد أوراق تُقرأ، بل كان صديقاً صامتاً يمنح الإنسان الحكمة والمعرفة والطمأنينة، ويأخذ بيده إلى عوالم أرحب من الواقع اليومي الضيق.

إنَّ العلاقة بين الإنسان والكتاب علاقة حضارية عميقة، فمن خلال القراءة تشكّلت العقول، وبُنيت الأمم، وارتقت المجتمعات. غير أن هذه العلاقة بدأت تضعف تدريجياً مع هيمنة المحتوى السريع وثقافة الاستهلاك الرقمي، حتى أصبح كثيرون يقضون ساعات طويلة أمام الهواتف دون أن يفتحوا صفحة واحدة من كتاب. وهنا تتجلى فكرة "الجليس المفقود”، ذلك الرفيق الذي غاب حضوره، فغابت معه لحظات التأمل والتفكير العميق.

الكتاب لا يمنح القارئ معلومات فحسب، بل يربي الذوق، ويهذب المشاعر، ويصنع شخصية أكثر وعياً واتزاناً. فالقراءة توسّع المدارك، وتمنح الإنسان قدرة أكبر على الحوار والفهم واحترام الاختلاف. كما أن الكتاب يفتح أبواب الإبداع، ويغرس في النفس حب الاكتشاف والسؤال، وهي قيم أصبحت اليوم أكثر ضرورة في مواجهة السطحية والانشغال الدائم.

ولعل المؤلم في الأمر أن بعض الأجيال الجديدة باتت ترى القراءة نشاطاً ثانوياً، رغم أن أعظم القادة والمفكرين والعلماء كانت الكتب جزءاً أساسياً من حياتهم اليومية. فالنهضة لا تُبنى بالترفيه وحده، بل بالوعي والمعرفة، والكتاب يظل أحد أهم مفاتيح هذا الوعي.

إن استعادة "الجليس المفقود” ليست مسؤولية فردية فقط، بل هي مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية. فحين يعود الكتاب إلى البيت، يعود معه الحوار، ويعود الفكر، وتعود روح الثقافة التي تصنع إنساناً أكثر نضجاً وإنسانية.

ويبقى الكتاب شامخاً بذاكرة لا تشيخ، مهما تغير الزمن، الجليس الذي لا يملّ، والصديق الذي يمنحنا ذاته بصمتٍ ووفاء.