للعيد في البحرين أكثر من إيقاع، ولفرحة عيد الأضحى خصوصية يعرفها الناس جيداً؛ فهو عيد الحجاج أولاً، وامتداد روحي لمشهد عرفات والمشاعر المقدسة، وهو أيضاً عيد الأضاحي والبيوت المفتوحة وصلة الرحم والمجالس التي تمتلئ بالسلام والوجوه القريبة، ولذلك تأتي الحركة في هذا العيد مختلفة عن عيد الفطر، أقل اندفاعاً في بعض جوانبها، وأعمق ارتباطاً بالعائلة والبيت والطقس الديني والاجتماعي، ومع ذلك تتحول الإجازة الطويلة إلى موسم اقتصادي هادئ، تنتعش فيه الفنادق والمطاعم والمجمعات التجارية والمقاهي والواجهات البحرية، وتدخل العائلة البحرينية والخليجية في قلب معادلة سياحية ناعمة تصنع الفرح وتحرك السوق في وقت واحد.

في مثل هذه المواسم تظهر قيمة السياحة العائلية بوصفها مدخلًا قريبًا من طبيعة البحرين، فالزائر الخليجي يبحث غالبًا عن مكان قريب، آمن، مألوف في روحه، متنوع في خياراته، يصل إليه خلال وقت قصير، ويجد فيه ما يناسب الأطفال والآباء والأمهات معًا، وهنا تمتلك البحرين ميزة يصعب اختصارها في فندق أو مطعم أو مجمع، لأنها تقدم تجربة كاملة تقوم على سهولة الوصول، وقرب المسافات، وتداخل البحر مع السوق، وحضور الضيافة البحرينية التي تمنح الزائر شعورًا بأنه في بيته الثاني، وأكثر كلمة سمعتها من السياح عند سؤالهم لماذا اختاروا البحرين: «ياخي البحرين مريحة».

في إجازات الأعياد تبحث العائلة الخليجية عن مشوار جميل أكثر من بحثها عن برنامج معقد؛ مكان يفرح الأطفال، مطعم يجمع الأهل، مجمع فيه فعالية خفيفة، وواجهة بحرية تصلح لقضاء اليوم، وهنا تظهر البحرين بطبيعتها القريبة من الناس، وجهة سهلة ودافئة للزائر الخليجي، تساعده فعاليات هيئة البحرين للسياحة والمعارض على أن يجد ما يناسب عطلته، من العروض العائلية إلى التجارب الترفيهية والمطاعم والفنادق، فيتحول اليوم العادي من الإجازة إلى ذكرى صغيرة تبقى في بال العائلة.

جميعنا يعلم أن العائلة الخليجية اليوم تختار وجهتها عبر مقطع قصير، أو تجربة مصورة، أو توصية مؤثر، أو إعلان ذكي يظهر في توقيت الإجازة، ولذلك صار التسويق السياحي عبر المؤثرين جزءاً من صناعة القرار السياحي، فالمؤثر الذي يوثق إفطاراً عائلياً، أو فعالية للأطفال، أو إقامة فندقية مريحة، يختصر على المتلقي مسافة طويلة من البحث، ويحوّل الوجهة إلى قصة قابلة للتجربة.

ومن الوجهات المميزة في البحرين مجمع مراسي جاليريا، الذي يقدم تجربة جميلة مليئة بالفعاليات المناسبة لكل أفراد العائلة، فالمجمع يتحول في الإجازة من مساحة للتسوق إلى وجهة عائلية متكاملة، تبدأ من «الحية بية» بوصفها طقساً بحرينياً قريباً من الذاكرة الشعبية، وتمتد إلى الموسيقى الحية والعروض الترفيهية وعروض الأضواء، بما يجعل التجربة أوسع من التسوق والطعام، فحين تجتمع العائلة في مكان واحد وتجد الطفل منشغلاً بالفعالية، والأم مطمئنة للمكان، والأب قريب من المطاعم والمواقف والخدمات، تنشأ دورة اقتصادية كاملة تبدأ بالزيارة وتمتد إلى الإنفاق والعودة والتوصية.

اللافت أن اقتصاد العيد يعمل بهدوء، من دون صخب الأرقام الكبيرة، عبر تفاصيل صغيرة تتكرر آلاف المرات خلال الإجازة، طاولة في مطعم، أو ليلة في فندق، تذكرة فعالية، مشتريات عائلية، صورة تنشر على إنستغرام، ومقطع قصير ينتقل بين هواتف الأصدقاء، وهذه التفاصيل تصنع أثراً مباشراً في قطاعات متعددة، من التجزئة والضيافة إلى النقل والترفيه والخدمات، وتمنح القطاع الخاص مساحة واسعة للمشاركة في صناعة الموسم بدل انتظار الحركة العفوية وحدها.

تحتاج السياحة العائلية إلى رؤية تراكمية؛ فعاليات واضحة قبل الموسم، رزنامة سهلة الوصول، تعاون أكبر مع الفنادق والمطاعم والمجمعات «بكجات عائلية»، محتوى رقمي موجه للأسرة الخليجية، ومسارات تجمع التراث والترفيه والتسوق في يوم واحد، كما تحتاج إلى قراءة دقيقة لسلوك الزائر، فالعائلة التي تأتي في العيد قد تعود في نهاية أسبوع عادية إذا وجدت تجربة منظمة ومريحة ومختلفة في كل مرة.

الإجازات فرصة اقتصادية مغلفة بالفرح، وكلما استطاعت البحرين أن تجعل الفرح منظماً، قريباً، ومتاحاً للعائلة، تحولت الإجازة من أيام عابرة إلى موسم سياحي يعزز صورة المملكة، ويدعم السوق، ويمنح الناس ذاكرة جميلة تعود بهم مرة أخرى إلى الجزيرة.

هكذا يمضي العيد في البحرين، بين فرح الزائر ودفء البيت، وبين من قضى إجازته بيننا ومن ننتظر عودته من رحاب المشاعر المقدسة، ولكل من اختار البحرين لقضاء إجازته نقول: عودوا دائماً، فهذه الجزيرة تحفظ الود وتفتح أبوابها بالمحبة، ولكل حاج غادر بيته بالدعاء والدموع نقول: حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وعوداً مباركاً سالمين غانمين إلى الأهل والوطن.