بقلم: عيسى الحمادي


ليس هذا المقال تعليقًا على لقاءٍ عابر، ولا قراءةً في حديثٍ قيل ومضى، بل محاولةٌ لتأريخ السرد الوطني الذي قدّمه راشد البحرين، الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، في لحظةٍ تستحق أن يُتوقف عندها أكثر من مرة، وأن تُقرأ لا بوصفها خطابًا أمنيًا فحسب، بل بوصفها موقفًا وطنيًا جامعًا، ودرسًا في الوفاء، وشهادةً في الولاء، وصفحةً ينبغي أن تُحفظ بماء الذهب في سجل البحرين الناصع البياض.

فقد كان ذلك اللقاء أكثر من مناسبةٍ جمعت وزيرًا بمواطنين؛ كان مقامًا من مقامات البيان الوطني، تحدّث فيه رجل الدولة لا من ورقةٍ جامدة، ولا من خطابٍ مصنوع، بل من قلبٍ خبر الأحداث، وعقلٍ وعى الأخطار، ولسانٍ جمع بين فصاحة البيان وصدق الوجدان.

ومن هنا جاءت كلمة راشد البحرين سردًا للتاريخ، وتشخيصًا للخطر، وإنصافًا للطائفة الأصيلة، وحسمًا مع التنظيم الدخيل، صادرةً من قلبٍ مخلصٍ لسيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، ونابضةً بحب مملكة البحرين وأهلها جميعًا دون فرزٍ أو تفرقة، ترى في أمنها كرامة الجميع، وفي وحدتها نجاة الجميع، وفي قانونها عدل الجميع.

وليس السرد الوطني ترفًا من القول، ولا زينةً في البيان، بل هو ذاكرة الدولة حين تُراد لها الغفلة، وبصيرة المجتمع حين تُراد له الفتنة، وحصن الوطن حين تتكاثر عليه السهام من الخارج وتتلوّن له الوجوه في الداخل.

وفي ذلك اللقاء، لم يكن حديث معالي وزير الداخلية بيانًا أمنيًا عابرًا، ولا وصفًا لحادثة طارئة، بل كان سردًا وطنيًا متصلًا، رتّب الوقائع في مواضعها، وردّ الأحداث إلى أصولها، وميّز بين الطائفة الأصيلة والتنظيم الدخيل، وبين المواطن المخلص لوطنه، والتابع الذي يأتمر من خارجه.

لقد وضع معاليه السرد في سياقه الصحيح؛ فمملكة البحرين لم تعرف النفس الطائفي يومًا قبل حقبة الخميني بنهجه الثيوقراطي السياسي المؤدلج، الذي لا يكتفي بالإيمان مذهبًا، بل يريد تحويله إلى ولاءٍ حزبي، ولا يقف عند العبادة شعيرة، بل يجعل منها راية صراع.

كانت البحرين، قبل عام 1979، وطنًا يعرف أهله بعضهم بعضًا، يتجاورون في الفريج، ويتقاسمون الرزق، ويتبادلون المعروف، وتجمعهم نخوة الأرض قبل ضجيج الشعارات.

وكان شيعة البحرين، كما كان سائر مكونات الوطن، جزءًا أصيلًا من تاريخ البلاد ومجتمعها وثقافتها، لهم حضورهم، ومآتمهم، ومرجعياتهم المتعددة، ولم يكونوا فرعًا من تنظيم سياسي خارجي عابر للأوطان، ولا تابعين لفقيه حاكم في دولة أخرى.

وليس أدلّ على أن مملكة البحرين، في نهجها وممارستها وبنائها المؤسسي، دولةٌ تجمع ولا تفرّق، وتقرّب ولا تمزّق، وتصون الخصوصية ولا تصنع الخصومة، من المرسوم الملكي السامي بإنشاء مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية، جامعًا مجلسي الأوقافين في مظلةٍ واحدة، ورؤيةٍ واحدة، وحوكمةٍ واحدة، مع بقاء الإدارة العامة للشؤون السنية والإدارة العامة للشؤون الجعفرية جهازين تنفيذيين لكل وقفٍ في شأنه، ولكل اختصاصٍ في موضعه.

فلو كان التفريق بين الأوقافين نهجًا بحرينيًا أصيلًا لما عادت البحرين إلى أصلها الجامع، ولو كان الفصل من طبيعة الوطن لما جاء الوصل بإرادة الوطن؛ وإنما كان ذلك الفصل قد تم خلال حقبة الحماية البريطانية، ووجهًا من وجوه ترتيبها الإداري الذي وافق سياقها ومصلحتها، لا روح البحرين وفطرتها.

أما البحرين في أصلها، فهي وطنٌ يجمع ولا يصدّع، ويؤلف ولا يبدّد، ويحفظ المذهب في مكانته، ولا يجعله متراسًا للفرقة، ويصون الوقف في حرمته، ولا يخرجه من قدسيته إلى خصومة السياسة وضجيجها.

ثم جاء عام 1979، وجاءت معه لحظة التحول في السياسة الإيرانية تجاه المنطقة. لم تعد إيران، بعد الثورة الخمينية الطائفية ذات النزعة الفئوية، دولةً تقف عند حدودها، بل نظامًا أراد تصدير ثورته، ومدّ سلطته الرمزية والسياسية عبر فكرة ولاية الفقيه المطلقة العابرة للأوطان بعد أن كانت مقيدة.

وهنا تحولت النظرية من مقامٍ فقهي محدود الصلاحيات الشرعية ومحليًا في نطاق دولته إلى مشروعٍ سياسي عابر للحدود، ومن خطاب في الحوزات إلى أدواتٍ في الشوارع، حتى صار المطلوب من بعض الأتباع أن يكون ولاؤهم حيث يكون الفقيه الحاكم، لا حيث تكون الدولة التي وُلدوا فيها، ولا الوطن الذي حمل أسماءهم وبيوتهم وقبور آبائهم.

ولم تلبث آثار هذا المشروع أن ظهرت في مملكة البحرين ودول الخليج العربي. ففي عام 1981 جاءت المحاولة الفاشلة لقلب نظام الحكم، لتكون شاهدًا مبكرًا على أن الأمر لم يكن رأيًا فكريًا معزولًا، بل سعيًا إلى اختراق الدولة والاعتداء على شرعيتها وسيادتها.

ثم جاءت سنوات التسعينات بما حملته من شغب وإرهاب واضطراب، حيث حاولت إيران ووكلاؤها استغلال الشارع بغطاء مذهبي، وتصوير الخروج على القانون كأنه طاعةٌ للولي الفقيه. وهنا كانت الخطورة في أن تتحول الطائفة إلى حقل استثمار سياسي، وأن يُراد للمواطن أن يسمع نداء الخارج أعلى من نداء الوطن.

وفي هذا الموضع تتجلى فصاحة راشد البحرين؛ فليست الفصاحة حسن لفظٍ فحسب، بل أن تضع التاريخ في موضعه، والجرح في سببه، والدواء في مكانه. لقد سرد معاليه المراحل لا سرد مؤرخٍ بعيد عن الواقع، بل سرد رجل دولةٍ كان في قلب المسؤولية، يفرّق بين المذهب والتسييس، وبين المواطن والتنظيم، وبين الطائفة الأصيلة والفكرة الدخيلة.

ثم جاء عام 1999، وجاء معه عهد سيدي جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، فكان المشروع الإصلاحي الشامل بابًا واسعًا للاحتواء والمواطنة الصادقة.

فتح جلالته القلب قبل الباب، ومدّ يد العفو قبل يد المحاسبة، وأعاد المبعدين، ومنح الجنسية، وأطلق الحياة الديمقراطية، فكان ميثاق العمل الوطني، وكان الدستور، وكانت الدولة تقول لأبنائها جميعًا: هذا وطنكم، وهذه دولتكم، فكونوا شركاء في البناء لا أدواتٍ في الهدم.

غير أن هذا النهج أربك المشروع الإيراني ووكلاءه؛ لأن الدولة التي أرادوا تصويرها مغلقة ظهرت واسعة، والتي زعموا أنها تقصي أبناءها مدت لهم يدها.

ولذلك بدأ التوغل عبر أذرع فقهية وسياسية، من المجلس العلمائي المنحل قضائيًا إلى جمعية سياسية منحلة لبست ثوب الوفاق اسمًا والنفاق السياسي منهجًا، في محاولة لاختطاف الإرادة الوطنية داخل الطائفة الشيعية، وإرهاب المخالفين، وإقصاء من يرفض أن يكون تابعًا.

ثم جاءت محطة 2011، حين انسحب ممثلو وكلاء إيران، لا ممثلو ناخبيهم الذين انتخبوهم، من مجلس النواب، ظنًا منهم أن صوتهم وحده هو صوت الطائفة.

لكن شخصيات وطنية مخلصة من الطائفة الشيعية تحملت مسؤوليتها وشاركت في الانتخابات التكميلية رغم التهديد والإرهاب، فظهر الفرق بين ابن الطائفة وابن التنظيم؛ الأول ينتمي إلى وطنه ولا يتخلى عن مذهبه، والثاني يختطف المذهب ليتخلى عن وطنه.

وعلى امتداد تلك السنوات، اختارت الدولة الصبر قبل القطيعة، والعفو قبل العقاب، والمعالجة الفردية قبل التعميم، مراعاةً للنسيج الوطني، وحرصًا على ألا يختلط المذنب بالبريء، ولا التنظيم بالطائفة، ولا الخيانة بالخلاف. لكن الصبر إذا قابله التمادي، والتسامح إذا قابله الارتهان للخارج، صار الحزم عدلًا، وصارت المعالجة الجذرية واجبًا.

ثم جاءت الأحداث الأخيرة، وجاء العدوان الإيراني الآثم على مملكة البحرين ودول الخليج العربي، فكشفت المحنة معادن الرجال؛ فمن رأى في الاعتداء على وطنه جرحًا في قلبه، كان ابنًا للبحرين، ومن فرح به وصفق له، فقد كشف ولاءه قبل أن يكشف قوله.

ومن هنا جاء الحسم دفاعًا عن الدولة، لا انتقامًا من مذهب؛ وصونًا للمجتمع، لا استهدافًا لطائفة. فالطائفة الشيعية في مملكة البحرين مكوّن أصيل في ماضي البلد وحاضره ومستقبله، وشيعة البحرين أقدم من ولاية الفقيه، وأعرق من خطاب الخميني، وأوسع من أن يُحشروا في عباءة تنظيم أو مشروع حرسٍ إرهابي يسمى بثوري.

ومن هنا لم تكن كلمة راشد البحرين مجرد خطابٍ في ظرفٍ عابر، بل كانت عهدًا متصلًا من رجلٍ مخلصٍ لخدمة سيدي جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، منذ أن تشرف بأن يكون جنديًا في صفوف بواسل قوة دفاع البحرين، إلى أن تولى أمانة وزارة الداخلية.

وقد قادها بعقل رجل الدولة الراجح وبصيرة القائد، حتى غدت منارةً للحداثة والتطور، ومثالًا يُقتدى به في العمل الأمني والمدني، لا بهدم ما سبق، بل بالبناء عليه، وصون ما تحقق، والارتفاع به إلى ما هو أرسخ وأكمل.

وفي الختام، فإن السرد الذي قدّمه راشد البحرين سردٌ يحمي الطائفة من مختطفيها، والوطن من متربصيه، والمجتمع من سماسرة الفتنة. هو سرد يقول إن مملكة البحرين بلد الجميع، لكنها ليست ساحةً للخيانة؛ وطنٌ يتسع للمخلصين، ولا يتسع للمرتهنين؛ دولةٌ تحمي الحريات، ولا تسمح بتحويلها إلى معابر للفوضى.

ومن أراد البحرين وجد فيها صدرًا رحبًا، ومن أرادها من بوابة إيران وجد أمامه دولةً لا تنام، وقيادةً لا تلين، وشعبًا إذا اختلف في الرأي اجتمع على الوطن، وإذا تكاثرت الرايات لم يعرف إلا راية البحرين.

لقد كان راشد البحرين في ذلك اللقاء شاهدًا على أن البيان إذا خرج من قلبٍ مخلصٍ بلغ القلوب، وأن الفصاحة إذا اتصلت بالولاء صارت موقفًا، وإذا انتسبت إلى الوطن صارت عهدًا.

لم يكن حديثه كلامًا مكتوبًا على ورق، بل كان شهادة رجلٍ مخلصٍ لخدمة سيدي جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، ومحبٍّ للبحرين بكل أهلها، يرى في أمنها كرامة الجميع، وفي وحدتها نجاة الجميع، وفي قانونها عدل الجميع.

ومن هنا بقيت كلمته أكثر من خطاب؛ بقيت سردًا وطنيًا، ودرسًا في الحزم الرشيد، والولاء العتيد، والبيان السديد، وبلاغةً لا تستعير معناها من زخرف اللفظ، لأنها تستمد بهاءها من صدق الانتماء، وضياءها من صفاء الوفاء، وخلودها من إخلاص الولاء لسيدي جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، ومن محبةٍ صادقةٍ لمملكة البحرين وأهلها، وطنِ الجميع، حماه الله وأدام علاه.