أنا من محبي متابعة كافة تفاصيل الحج في كل عام، سواء ما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر المؤسسات الصحفية الرسمية في المملكة العربية السعودية الشقيقة، وفي مقدمتها «واس» التي تتميز كل عام بتقديم تغطية إخبارية تفوح بحب العاملين عليها من الصحفيين والمصورين لهذه المهمة السنوية وما تحمله من مشاعر لا توصف ولا تُشرح، ورغم ذلك فإن القصة الأكبر لم تُرْوَ من الكوادر الصحفية فقط، بل دوّنها الحجاج أنفسهم على وسائل التواصل الاجتماعي بلغاتهم المختلفة.

فقد استقبلت مكة هذا العام أكثر من 1.5 مليون حاج من الخارج والداخل السعودي، تحدثوا عما رأوه أثناء أداء النسك، ورصد أحدهم أصوات أزيز طائرات صغيرة في سماء منى وعرفات تحمل الأدوية والمستلزمات الطبية للحالات الطارئة والتي تحتاج إلى سرعة، بعدما كانت سيارات الإسعاف تستغرق أوقاتاً طويلة للوصول إلى الحالة في السابق، وتجاوز إجمالي الخدمات الصحية المقدّمة لحجاج بيت الله 1.2 مليون خدمة، شملت أكثر من 41,000 زيارة للطوارئ، والطريف هو إجراء 29 عملية قلب مفتوح للحجاج.

وبينما كانت درونات تنقل الأدوية والمعدات الطبية، كانت أخرى تراقب الحشود لتوجيه الحجاج في الوقت الفعلي، ولأول مرة في مشعر منى، تم تركيب أنظمة استشعار ذكية مرتبطة ببطاقة «نسك»، تراقب تحركات الحجاج لحظة بلحظة، مما ساعد القيادات الميدانية على توقع سلوك الحشود واتخاذ قرارات سريعة، وسجلت نسك أكثر من 4 ملايين مسح إلكتروني خلال الموسم وفرت معلومات لمركز القيادة الذي يشغّل أكثر من 60 جهة حكومية.

ولعلّ أكثر ما أثار إعجاب الحجاج العارفين بالتقنيات وتحدثوا عنه، كان نظام الإقامة الذكي الذي استخدم مزيجاً من الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، حيث يتم تجهيز الغرف وتخصيصها للحجاج قبل وصولهم، واختصار زمن التسجيل من ساعات إلى دقائق، وهو ما وصفته «Travel And Tour World» بالنقلة النوعية في قطاع الاستضافة الدينية.

واللافت في ظل درجات حرارة وصلت إلى 45، أن عدد حالات الإجهاد الحراري لم يتجاوز 466 حالة، وذلك بفضل تفعيل منظومة تبريد متكاملة اشتملت على طائرات مسيرة لرش الرذاذ المبرد، ومظلات عملاقة، ونظام تبريد أرضي موزّع على مسارات الحجاج، وهو ما سجله أحد المدونين في مقطع فيديو واقفا عند أحد المكيفات الأرضية في عرفة لتبريد أرض الجبل.

ولمن أكرمه الله بحج بيته في السنوات الماضية، يعرف تماماً تحدي تفويج الحجاج من منى وعرفة، وهو ما حولته المملكة العربية السعودية إلى نجاح باستخدام «نظام تفويج رقمي» لتدفق الحجاج وفق خطة محكمة، واللافت أن هذا النظام المتكامل لم يخلق طوابير أو ازدحاماً يُذكر، وهو ما رصده مراسل وكالة الأنباء الجزائرية والصحفيون من أسوشييتد برس الذين كانوا حاضرين لتوثيق هذا الإنجاز الإداري الفريد.

ولم يقتصر أمر الإشادة على الصحفيين، وما ذكرته وكالة «فرانس برس» في تقرير عن ابتكارات المملكة العربية السعودية في مواجهة الحرارة والتعامل مع الحشود الضخمة، ولكن وزير الداخلية الماليزي سيف الدين ناسوتيون إسماعيل، الذي أدى الحج هذا العام، أشاد شخصياً بالجهود السعودية، وبث لاعب الكريكيت الباكستاني وسيم أكرم فيديواً وهو يرمي الجمرات بحركة البولينج الشهيرة، ونجوم آخرون مثل بلال عباس خان ودريفشان سليم الذين نشروا لحظات روحانية من عرفات، لاقت آلاف التعليقات بالدعاء والشكر للسعودية.

وتبقى الشهادات المباشرة للحجاج هي الأصدق والأعمق تأثيراً، حيث عبر آلاف الحجاج بلغاتهم المختلفة عن إعجابهم بسرعة إنجاز الإجراءات وتوفر الخدمات ووسائل الراحة.. شكراً لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، ولرجال المملكة العربية السعودية الذين بذلوا جهداً خارقاً في هذه الأيام المباركة.. وبارك الله لهم في أعمالهم.

* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية