يذكر أمير هندجاني، مؤسس عدد من الشركات في قطاع النفط والغاز وأحد الخبراء في شؤون المنطقة، في مقال نشره في مجلة Foreign Policy، أن دول الخليج العربي، في ظل الحرب الأخيرة، تعيد حساباتها بشأن علاقاتها الدبلوماسية، وتسعى إلى التحوط من المخاطر المحدقة بها والاستعداد لعالم مختلف عن ذلك الذي عرفته خلال العقود الماضية.
ويستنتج هندجاني أن دول الخليج العربي لن تميل إلى الارتهان لقوة واحدة، بل ستواصل المراهنة على تعدد الشراكات الدولية، وهي بذلك تفعل ما اعتادت عليه الدول الصغيرة الغنية ذات "الذاكرة المليئة بمواقف الخيانة”، على حد وصفه. ولا يبدو واضحاً على وجه التحديد ما هي مواقف الخيانة التي يقصدها، إلا أنني لا أستبعد أنه يلمح إلى الغزو العراقي الغاشم للكويت عام 1990، والذي يُعد من أخطر الطعنات في الظهر التي تعرضت لها المنطقة خلال الثلث الأخير من القرن العشرين.
ويرى هندجاني أن بقاء الدولة الإيرانية قائمة ــ على الرغم من تدهور أوضاعها الحالية ــ يصب في مصلحة دول الخليج العربي، التي تفضل التعامل مع جهة مركزية واحدة بدلاً من مواجهة سيناريو انهيار الدولة وتفككها وتحول السلطة إلى جماعات متفرقة ومسلحة يصعب التنبؤ بسلوكها أو احتواء مخاطرها.
كما يتوقع أن تظل العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية وثيقة في الجانب العسكري، خاصة بعد نجاح المنظومات الدفاعية التي اقتنتها دول المنطقة من الولايات المتحدة في التصدي للهجمات الإيرانية الآثمة المتكررة. لكنه يرجح في الوقت ذاته أن تتعامل دول الخليج العربي مع واشنطن بقدر أكبر من الحذر، بعد أن جرى تجاوزها في مسألة الهجوم على إيران، وهو ما وضعها في مرمى النيران الإيرانية.
ويتوقع أيضاً أن تفرض دول المجلس مستقبلاً قيوداً أكبر على استخدام أجوائها وقواعدها العسكرية، بما يقلل من احتمالية تكرار حالة مماثلة.
ويرى هندجاني أن دول الخليج العربي تتجه نحو الاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية في حماية أمنها ومصالحها، كما ستتبنى سياسة خارجية أكثر انتقائية وبراغماتية في إدارة علاقاتها الدولية.
وأجد نفسي متفقاً مع كثير من طرح هندجاني؛ فلا مجال لوضع البيض كله في سلة واحدة. ولعل دول الخليج العربي قد أحسنت صنعاً خلال السنوات الماضية عندما عملت على تعزيز علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع مختلف القوى والكيانات الدولية الكبرى، حتى أصبحت تمتلك مصالح متبادلة معها ومكانة مؤثرة وصوتاً مسموعاً في العديد من العواصم العالمية.
ولعل أهم الدروس التي ينبغي استخلاصها من أحداث الشهور الماضية هو ضرورة توطين جزء من الصناعات العسكرية، والاستفادة من الفوائض المالية الخليجية في بناء قطاع صناعي دفاعي قادر على توفير الاحتياجات الأساسية وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، فالمخاطر الإقليمية في تزايد، والأطماع لم تتراجع.
وفي هذا السياق، تستحضر الذاكرة مقولة الرئيس الأمريكي روزفلت الشهيرة «تحدث بلطف، لكن احمل عصاً غليظة». ولعل هذا هو الاتجاه الذي ينبغي أن تسير نحوه دول الخليج العربي؛ فتستمر في دبلوماسيتها الناجحة من جهة، وتنمي قدرات عسكرية رادعة من جهة أخرى، بما يكفل حماية المصالح الوطنية، ويعزز الاستقرار ويجعل الآخرين يحسبون لها حساباً.