الوطن ليس بقعة أرض تُحدّدها خطوط مرسومة على خارطة، ولا وثيقة السفر الذي نمرّ بها عبر الحدود، ولا رقماً وطنياً نُثبت به هويتنا، مفهوم الوطن أعمق بكثير لمن يعي.
حين نصف إعمار الإنسان للأرض تجد لفظ استوطن فما أن يستوطن الإنسان أرضاً، ويستقر فيها إلا وصارت وطنه الذي يفديه بروحه، وقد جعل الله من يدافع عن أرضه وعرضه وماله ودينه من الشهداء.
أي أنه بمجرد أن تستوطن أرضاً، ويمنحك الله فيها الأمن والسكن ورزق يومك، فقد أصبحت وطنك فواجب عليك حمايته والدفاع عنه، ولقد ضرب لنا رسول الله ﷺ أروع الأمثلة في الانتماء لثرى الوطن ويتجلى ذلك في محطتين رئيسيتين من حياته:
وطن المولد والنشأة، حين اضطر النبي ﷺ إلى الهجرة، وقف على مشارف مكة، والتفت إليها يخاطبها بكلمات، كاشفاً عن عمق تعلقه بها فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَكَّةَ «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
ثم وطن التأسيس والرسالة، فلم يكن انتقال النبي ﷺ إلى المدينة المنورة مجرد تغيير للمكان، بل كان تأسيساً لوطن جديد، وقد دعا الله أن يرزقه حب المدينة، ففي نص حديث رواه البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول ﷺ قال:
«اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة» .
ولأن المجتمعات الناجحة تحتاج إلى ركائز وقواعد لتنظيمها وتحقيق التعايش وحفظ الحقوق، فقد كتب الحبيب ﷺ أول دستور مدني في تاريخ الإسلام «وثيقة المدينة المنورة» في السنة الأولى للهجرة لتنظيم شؤون المجتمع، والتي اتسمت بالشمولية، ونصت على بنود أهمها مبدأ الأمة الواحدة فالمسلمون من المهاجرين القادمين من الخارج والأنصار أصحاب الأرض صاروا أمة واحدة فالوطن للجميع، كما أكدت على مبدأ التعايش أي أقرت حقوق غير المسلمين وحرية العقيدة وحفظ أموالهم وأمانهم، واعتبرتهم جزءاً من المجتمع، على أن يتشارك الجميع في الدفاع عن المدينة ضد أي عدوان خارجي والبحرين من أفضل الأوطان التي حققت ذلك، فوجب على الجميع حمايتها.
فقد علمنا النبي ﷺ أن حب الوطن يكتمل برعاية أمنه، وتوطيد أواصر الأخوة والتعايش بين أفراده،. فالإسلام يرى في الوطن المستقر والأمان والبيئة الصالحة لتحقيق الاستخلاف الذي أراده الله عز وجل.
تخيل معي جزيرة يحيط بها الماء من كل جانب استطاعت أن تحتضن العالم بأسره؟ في لغة الأرقام والمساحات، ربما ترى البحرين جزيرة على خارطة. لكن البحرين ليست مجرد جغرافيا؛ إنها حالة من الدفء الإنساني النادر، وأرض عُجنت بالطيب والأصالة، حتى أصبحت ملاذاً لكل من وطئت قدمه ترابها.
وإذا سألت ضيفاً عاش في البحرين: «ما الذي يميز هذا الوطن؟»، لن يحدثك عن الأبراج الشاهقة أو المجمعات الحديثة، بل سيحدثك فوراً عن هذه الأرض الغالية التي تمنح الأمان والمحبة، فلم يشعر بغربة، بل شعر أنه «ابن الدار»، وإذا رحل تجده وقد حمل معه «السنع» البحريني، فقد تطبع بطبع أهلها من الأدب الجم، والطيبة والتواضع.
مفهوم الوطن في البحرين تجده في تلك الابتسامة العفوية التي تقابلك في «الفريج»، في طيبة أهل «المحرق» وعراقة «المنامة»، وكافة مدنها وقراها، في الكرم الفطري الذي تجده في مجالس أهلها ومقاهيها الشعبية. في تلك المحال التي تغلق أبوابها تاركة بضائعها بالخارج مكشوفة، فقد آمن التاجر على بضاعته فكيف لا وهو في بلد الأمن والأمان، البحرين وطن يفتح ذراعيه للجميع، يعلمك كيف يكون التسامح أسلوب حياة، وكيف يتعايش الجميع على اختلاف مشاربهم في نسيج واحد، تجمعهم محبة هذه الأرض والولاء لها.
فإلى كل مواطن شريف مؤمن بالله من استوطن وتشرف بالانتماء إلى البحرين هذا وطنك الذي تسكنه وتنام آمناً فيه وتأكل من رزقه، وقد كفل دستوره لك كافة الحقوق، وطنك الذي لم ترَ فيه إلا أرقى وأفضل نموذج وقدوة للتعايش الكل يعيش بأمان تام . فلا المشانق علقت بالطرقات ولا العصابات تزعزع أمنك إلخ.. مما نراه في بلدان أخرى فلله الحمد على وطن النعم الكثيرة.
البحرين وطنك وانتماؤك له ليس مجرد شعار تردده، بل هو مسؤولية ووفاء. إنها معادلة وجودية تجمع بين الولاء والشكر المتبادل بين القيادة الحكيمة، وشعب مخلص بكافة أطيافه يعملان بجد من أجل مستقبل آمن.
هذا الترابط هو ما يحمي هذه الجزيرة الغالية، ويجعلها عصية على كل التحديات، الولاء لا يُقاس بمساحة الأرض، بل بعمق الانتماء.
البحرين تستحق بذل الغالي والنفيس والولاء التام إنها الوطن فاستقم.