كان البحريني قديماً يعرف قيمة المال من صوت العملات في جيبه، ومن رائحة الأوراق النقدية التي تنتقل من يد إلى أخرى في الأسواق والمجالس والدكاكين الصغيرة، أما اليوم، فقد أصبح المال أكثر خفة من أي وقت مضى؛ لا يُرى ولا يُلمس، بل ينتقل عبر موجات إلكترونية لا تستغرق سوى ثوانٍ معدودة، وكأن النقود قررت أن تخلع ثوبها الورقي وترتدي ثوباً رقمياً يليق بعصر السرعة.

ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في وسائل الدفع، بل تحول في أسلوب الحياة ذاته، ففي الوقت الذي لاتزال بعض المجتمعات حول العالم تتمسك بالنقد الورقي باعتباره رمزاً للخصوصية والاستقلالية، تمضي دول مثل السويد وسنغافورة وكوريا الجنوبية والصين بخطوات متسارعة نحو مجتمعات شبه خالية من النقد. وفي منطقتنا الخليجية، برزت مملكة البحرين نموذجاً متقدماً في هذا المجال، حيث تجاوز عدد المعاملات الإلكترونية خلال عام 2025 نحو 494 مليون معاملة بقيمة فاقت 37.5 مليار دينار بحريني، فيما سجلت تطبيقات الدفع الإلكتروني أكثر من 466 مليون معاملة بقيمة تجاوزت 10 مليارات دينار وفق تقرير صادر من شركة بنفت في فبراير 2026، وهي أرقام لا تعكس تطور البنية التقنية فحسب، بل تعكس أيضاً ثقة المجتمع في التحول الرقمي وقدرته على مواكبة المستقبل.

غير أن أجمل ما في التجربة البحرينية أنها لم تجعل التقنية بديلاً عن الإنسان، بل أداة لخدمته، فقد أسهمت المنصات الإلكترونية في تسهيل أعمال الخير والصدقات والتبرعات، وأصبح بإمكان المتبرع أن يدعم جمعية خيرية أو أسرة متعففة أو مشروعاً إنسانياً وهو جالس في منزله. لقد اختصرت التكنولوجيا المسافات ووسعت أبواب العطاء، وأصبحت الصدقة تصل إلى مستحقها بسرعة لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة.

ومع ذلك، يبقى سؤال فلسفي لطيف يفرض نفسه: هل تستطيع التطبيقات الذكية أن تنقل دفء المصافحة؟ ففي الماضي كان المتصدق يرى أثر عطائه في عيون المحتاج، أما اليوم فإن إشعاراً إلكترونياً يخبره بأن المبلغ وصل بنجاح. صحيح أن الخير وصل، لكن شيئاً من المشهد الإنساني التقليدي مازال يحن إلى حضوره القديم، وكما يقول المثل الشعبي: «اليد التي تعطي خير من اليد التي تأخذ»، ولم يقل أحد يوماً إن شاشة الهاتف تستطيع أن تحل محل دفء اليد.

ومن الطرائف التي فرضها العصر الرقمي أن أكثر المتضررين من سرعة التحويلات قد يكونون الآباء وأصحاب المحافظ العائلية، ففي الماضي كان الابن يطلب مصروفاً إضافياً، فيأتيه الرد المعتاد: «لاحقاً» أو «عندما أمر على البنك»، أما اليوم فقد اختفت معظم الأعذار، وأصبح الطلب يصل عبر الهاتف مصحوباً برقم الحساب أو رابط التحويل، وكأن التكنولوجيا أغلقت أبواب التأجيل كلها، ولم يعد أمام الأب سوى خيارين: إما التحويل الفوري، أو مواجهة لجنة تحقيق منزلية مصغرة!

والأمر ذاته انسحب على بعض العلاقات الاجتماعية، فكم من صديق كان يستند إلى عبارة «ليس معي كاش» عندما يواجه طلباً مالياً مفاجئاً، أما اليوم فقد أصبح الهاتف مصرفاً متنقلاً يكشف الحقيقة في لحظتها، وهكذا لم تعد التطبيقات تختبر سرعة الإنترنت فقط، بل تختبر أحياناً سرعة المجاملة وحدود الاعتذار، ومن أراد المساعدة استطاع أن يفعلها فوراً، ومن لم يستطع بات مطالباً باعتذار أكثر إقناعاً من ذي قبل.

وعلى المدى البعيد تبدو المكاسب كبيرة؛ فالمعاملات الإلكترونية تعزز الشفافية، وتحد من الاقتصاد الخفي، وتخفض تكاليف تداول النقد، وتسرع حركة التجارة والاستثمار، كما تفتح آفاقاً واسعة للابتكار المالي والذكاء الاصطناعي والخدمات الذكية، لكن التحديات لاتزال قائمة، من أمن المعلومات إلى حماية الخصوصية وضمان شمول جميع فئات المجتمع في هذا التحول.

ولعل المستقبل لن يشهد انتصاراً كاملاً للنقد الورقي ولا هيمنة مطلقة للدفع الإلكتروني، بل مزيجاً متوازناً يجمع بين كفاءة التقنية وإنسانية التواصل، فالمال، مهما تغير شكله، يبقى وسيلة لا غاية، وبين الورقة النقدية ورمز الاستجابة السريع تبقى القيمة الحقيقية في الإنسان نفسه، وفي قدرته على أن يجعل من التكنولوجيا جسراً للخير لا بديلاً عن المشاعر.

وقديماً قيل: «المال خادم جيد لكنه سيد سيئ»، وفي عصرنا الرقمي يمكن أن نضيف: «الهاتف محفظة ذكية بالفعل، لكنه لايزال عاجزاً عن نقل ابتسامة ممتنة أو دعوة صادقة من قلب محتاج»، وبين سرعة التحويل وصدق النية تبقى الحكمة القرآنية خالدة: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) سورة البقرة الآية 110.

* إعلامية وباحثة أكاديمية