هل تستطيع آلة أن تساهم في اكتشاف رياضي حقيقي؟ قبل سنوات قليلة، كان هذا السؤال يبدو أقرب إلى الخيال العلمي. أما اليوم، فقد صار سؤالاً مطروحاً بجدية، بعد أن أعلن باحثون في OpenAI أن نموذجاً داخلياً للذكاء الاصطناعي ساهم في دحض حدسية رياضية شهيرة لبول إردوش؛ وهي مسألة بسيطة في صياغتها، عميقة في صعوبتها.
لكن القصة لا تعني أن الذكاء الاصطناعي خلق الرياضيات من العدم. على العكس، فهي تكشف أن الآلة استطاعت أن تجمع بين أفكار رياضية متقدمة، وأن تستكشف مسارات طويلة ومعقدة، مستندة إلى إرث كبير من أعمال علماء الرياضيات.
لنفهم المسألة، تخيل أنك تضع عدداً من النقاط على ورقة، ثم تنظر إلى المسافات بين كل زوج من هذه النقاط. قد تجد أن بعض الأزواج تفصل بينها المسافة نفسها. والسؤال هو: ما أكبر عدد ممكن من هذه الأزواج المتساوية المسافة؟
يرمز الرياضيون لهذا العدد بالرمز u(n). ومعناه ببساطة: إذا كان لدينا n نقطة في المستوى، فإن u(n) هو أكبر عدد ممكن من الأزواج التي يمكن أن تكون المسافة بينها متساوية. أو بعبارة أبسط: u(n) يخبرنا بأكبر عدد من القطع المستقيمة المتساوية الطول التي نستطيع الحصول عليها بين n نقطة مرسومة على ورقة.
الرسم عبارة عن أمثلة للقيم القصوى لـ u(n) عندما يكون عدد النقاط بين 3 و9. تمثل الخطوط الزرقاء الأزواج الواقعة على المسافة نفسها.
فعندما يكون لدينا ثلاث نقاط، يمكن وضعها على شكل مثلث متساوي الأضلاع، فنحصل على ثلاث مسافات متساوية، ولذلك u(3)=3. وعندما نزيد عدد النقاط، تصبح اللعبة أكثر إثارة، لأننا لا نبحث عن أي ترتيب، بل عن أفضل ترتيب ممكن.
قد يبدو السؤال لعبة هندسية بسيطة، لكنه في الحقيقة من صميم الهندسة التوافقية. ففي سنة 1946، طرح بول إردوش السؤال الكبير: كيف ينمو العدد u(n) عندما يكبر عدد النقاط؟ فإذا صار لدينا مئة نقطة أو ألف نقطة أو مليون نقطة، فما أكبر عدد ممكن من المسافات المتساوية بينها؟ وهل نستطيع إثبات حد أعلى لهذا العدد؟
كان الحدس السائد أن هذا العدد لا يكبر بسرعة كبيرة، وأن الترتيبات الشبكية المعروفة، مثل النقاط المرتبة على شبكة منتظمة، تكاد تكون أفضل ما يمكن فعله. وبقي هذا الاعتقاد مقنعاً لعقود طويلة، لأن أحداً لم ينجح في كسره.
ثم جاءت المفاجأة في مايو 2026؛ فقد أعلن باحثون في OpenAI أن نموذجاً داخلياً للذكاء الاصطناعي وجد عائلة جديدة من الترتيبات الهندسية تكسر حدسية إردوش. لم يغلق النموذج المسألة نهائياً، لكنه أثبت أن الاعتقاد القديم لم يكن صحيحاً بالصورة المتوقعة: هناك ترتيبات تعطي عدداً من الأزواج المتساوية المسافة أكبر مما كان يظنه الرياضيون.
الفكرة الرياضية وراء ذلك يمكن تبسيطها كما يلي. الشبكة العادية التي نرسمها على الورقة ليست مجرد شكل هندسي، بل يمكن النظر إليها كظلّ لبنية عددية. ما فعله الذكاء الاصطناعي هو تعميم هذه الفكرة: بدلاً من الاكتفاء بالشبكات المألوفة، انتقل إلى عوالم عددية أعمق تسمى «حقول الأعداد الجبرية». داخل هذه العوالم توجد شبكات خفية أكثر ثراءً، ويمكن إسقاطها بطريقة ذكية على المستوى، فتنتج عدداً كبيراً من الأزواج الواقعة على المسافة نفسها.
هنا تظهر نظرية عميقة تسمى نظرية غولود-شافاريفيتش، وهي من نظرية الأعداد الجبرية. وبصورة مجازية، لم يبحث الذكاء الاصطناعي عن ترتيب جديد للنقاط مباشرة على الورقة، بل ذهب إلى «مصنع» أعمق يصنع شبكات عددية خفية، ثم أسقطها على الورقة بطريقة غير متوقعة. وهكذا جاء التقدم من جسر بين مجالين يبدوان بعيدين: الهندسة التوافقية ونظرية الأعداد.
لذلك من الخطأ أن نقول إن الذكاء الاصطناعي اخترع الرياضيات وحده. لقد وقف على أكتاف عمالقة: من إردوش الذي طرح المسألة، إلى غولود وشافاريفيتش ومن جاء بعدهما. الجديد أن النموذج استطاع أن يرى صلة غير معتادة بين هذه الأدوات ومسألة هندسية تبدو بسيطة.
هل فكرت الآلة مثل الإنسان؟ ربما لا. فهي لا تملك حدساً إنسانياً ولا تجربة بشرية. لكنها قادرة على السير في مسارات طويلة من الاستدلال، وعلى تجربة احتمالات لا يكفي عمر الإنسان لاستكشافها كلها. الرياضي قد يتوقف عند طريق يبدو غريباً أو غير واعد، أما النموذج فيستطيع أن يتبع ذلك الطريق حتى نهايته.
ومع ذلك، لم ينتهِ دور الإنسان. فقد احتاجت النتيجة إلى فحص وتدقيق وتبسيط من رياضيين مختصين. كما أن فهم معنى النتيجة، ووضعها في تاريخ المسألة، وتحديد الأسئلة الجديدة التي تولد منها، كلها مهام لا تزال في قلب العمل البشري.
قصة إردوش والذكاء الاصطناعي ليست إعلاناً عن نهاية الرياضيات البشرية، بل ربما تكون بداية فصل جديد منها. في الماضي، كان الرياضي يعمل بقلمه وورقته وحدسه، ثم جاءت الحواسيب لتساعد في الحسابات. واليوم تظهر نماذج قادرة على المشاركة في الاستدلال نفسه، لا في الحساب فقط.
وفي النهاية، يبقى هذا الإنجاز إنجازاً بشرياً أيضاً. فالمسألة بشرية، والأدوات الرياضية بشرية، والتحقق النهائي بشري. أما الذكاء الاصطناعي فقد كان المرآة الجديدة التي عكست لنا شيئاً لم نكن نراه في هذا الإرث العظيم.
* قسم الرياضيات - جامعة البحرين