كتب رجل إلى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن اكتب إلي بالعلم كله، فكتب إليه أن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازماً لأمر جماعتهم فافعل.

وقد يظن البعض أنه إذا أكل أموال الناس بالحيلة فهو في مأمن من العاقبة، فيحتال في شروط العقود، ويحتال في الإخلاف بالوعود، ويحتال في مطل الحقوق، ويعيش على التذاكي والجحود، ويحلل لنفسه ما يكتسبه بواسطة أنواع الاحتيالات.. نعم قد تستطيع مخادعة الناس وإخفاء الأدلة ضدك، لكن ذلك لا يخفى على الله جل جلاله وسيأتي يوم تتمنى فيه أنك أعطيت الناس حقوقهم قبل أن ينتزعوها منك انتزاعاً في موقف عظيم.

وطالما تعاونت مع الشيطان مرة، فلن يتركك حتى يأتي بك معه في قاع جهنم، فما أول جريمة إلا بداية طريق الهاوية، وما أول دينار حرام إلا شرارة نار تلتهم كل ما لديك من الحلال.

حكى لي صاحبي، أن رجلاً كان يحتال على الناس، ويتسلط عليهم باستخدام أمواله لكي يصل إلى منصب يستطيع من خلاله سرقة حقوق الناس، وظل على هذا الحال طويلاً، حتى استطاع أصحاب الحقوق إبعاده عن هذا المنصب الذي عادة ما يأتي بالترشح والتصويت، وما كان ليسقط في أي انتخابات يدخلها - ليس بسبب كفاءة أو حب الناس فيه - ولكن لخلل في عملية الاقتراع والأصوات، قد استغله هذا الرجل ليتحصل من خلاله على أموال ليست من حقه، وليظلم البشر من حوله.

وعندما أصبح ترشحه للمنصب أمراً مكشوفاً لا يستطيع أن يخفي ما يتكسبه منه، استأجر له، محتالاً آخر ودعمه بالأصوات والتحالفات الخبيثة، ليصل هذا المستأجَر إلى نفس المنصب، ويواصل تحقيق مآرب وأطماع من استأجره، في أكل حقوق البشر لصالح من يحرك خيوطه خلف الستار، وذلك مقابل عمولة من الأموال الحرام.

ويقول صديقي، إن هذا «المستأجَر» الذي يتم تحريكه من خلف الستار، لا يحتاج لأن يفعل ذلك، فهو صاحب مال ومناصب كثيرة، لكن أعود وأذكر بما قلته.. «التعاون مع الشيطان مرة واحدة، لن تكون الأخيرة، بل لن يتركك الشيطان بعدها قبل أن يلقيك في قاع جهنم معه».

قصة صديقي هي قصة تتكرر في كل العصور والبلدان، وحذرنا منها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فقال تعالى في سورة النساء ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108)﴾.. وللعجب أن الله تعالى ذكر «الخوان» كثير الخيانة، وليس الخائن لمرة واحدة، ثم حذر بأشد تحذير في قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا».