نستند في بعض الأحيان إلى نظراتنا القاصرة للحياة، وكأننا نعيش فيها مخلدين، وكأننا نمضي فترات أعمارنا نبحث عن عنوان جميل من عناوين الذاكرة الخالدة، فنفتش في الآفاق فلا نجد غير ذلك الجدال العقيم، والمهاترات والمناكفات، والركض وراء توافه الدنيا، والسعي إلى جمع المال، والانغماس في الملذات والشهوات، والغرق في بحور الغفلة.
بعد محطة الحج، عدت مجدداً للحياة، ولربما أتنفس كل يوم بعيداً عن اليوم الذي سبقه، فأجد في نفسي قناعات تتغير، وثوابت أسأل الله تعالى أن يثبتني عليها، وقصوراً في ملء أوقات حياتي أسعى جاهداً إلى معالجته، وغفلة ملأت أرجاء حياة أحباب لي، أسعى لأن أكون معالجاً لها بأثر، ولو كان صغيرًا، ينفعهم قبل أن تنتهي معالم الحياة الدنيوية. وفي كل مرة، ومع كثرة الأفكار والمشاريع والرؤى، إلا أنني أحاول جاهدًا أن أقف عند بعض الملامح التي أراها ضرورية في أيام الحياة، ولربما تذكرنا بغاية وجودنا على هذه البسيطة، وتذكرنا بأن ما عند الله تعالى خير وأبقى، وأن الأعمار تمضي، وأن الأيام لا تمهلك كثيراً، فلا تغرق في غفلتك.
ولربما سنحت لك الظروف كلها لتغير الأجواء، فتجلس الساعات الطوال ساهراً، غارقاً في الاستمتاع بأجواء مباريات كأس العالم، فلا بأس بذلك، ولكن عندما تفتش عن ارتواء القلب بالإيمان، وعن صلواتك في المسجد، وعن الأذكار والتسبيح، وعن أثرك الذي تركته في يومك، فلا تجد ما يشفع لك، ولربما مرت الأيام، ولم تستفد من دوامة كأس العالم استفادة تمنحك أثراً كبيراً في حياتك. فلكل وقت حكاية، ولكل وقت أثر، ولكل محطة نهاية، وعمر الإنسان له نهاية، ويا ترى كيف تمضي نهايات أعمارنا؟ من هنا يجب علينا أن نتدارك الأعمار، ونسعى إلى علاج داء الغفلة، فما نحن إلا ضيوف في هذه الدنيا ومرتحلون عنها، ولحظات نقضيها تحت ظل شجرة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. نسأل الله تعالى أن تنتهي أعمارنا بخير، وثبات، وإيمان، وهداية، واستقامة، وحسن خاتمة نلقى بها الله العلي القدير.
ومع هذه النظرات، لا تخلو الحكاية من رسائل مستمرة يبعثها المولى سبحانه وتعالى لك؛ لينبهك إلى أيام حياتك، فيرحل أناس تعرفهم أعزاء على قلبك، بالأمس واليوم والغد، فتتأمل في صورة من عرفته، فتتذكر ضحكاته وجلساته وأخلاقه القويمة التي ظلت شاهدًا على أثره وما قدمه. فهكذا يترك الإنسان أثره حتى يلقى دعوات صادقات ممتدات تنفعه في قبره، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض". فتعود لتذكر نفسك بأن الحياة قصيرة، وأن أيامها المعدودة لا تمهلك كثيراً حتى تعطي، لذا فإن العطاء غير مرتبط بعمر معين، وهنا تأتي المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الأثر الإيجابي الجميل. والمتأمل في إعلانات الوفيات يجد أن الأعمار أضحت غير مرتبطة بأعمار الكبار فحسب، بل إن الوفاة تدرك من كُتب له أجله، وتأملوا قول الله عز وجل: "ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون".
ومع هذه النظرات، أحاكي نفسي، وأحاكي من أحب، بأن نحرص على أن نكون مع الله تعالى في كل حين، وأن نحصن أنفسنا بكل ما يقوي إيماننا، ويعزز معيتنا مع الله سبحانه وتعالى. فلا تنفع الشذرات الطفولية العابثة في أوقاتنا، ولا تنفع الفكاهة والاستهزاء بدين الله تعالى، فالبعض يغوص في الملذات وفي الأقاويل العابثة بإيمانه، ولربما لهث وراء مبتغيات شخصية يبتغي بها إرضاء ذاته، بهوامش لا مردود من ورائها إلا ضياع الأعمار بلا فائدة مرجوة.
أتأمل ذلك فلا أجد إلا أن أحرر حياتي من بعض القيود الوهمية التي عبثت بعطائي، وأن أتحرر من تلك العلاقات التي أهدرت نتاج أيامي، وأن أتحرر من المحطات المريضة التي غصت فيها ابتغاء الخير والتغيير الإيجابي والتطوير، بإحسان الظن والنية الخالصة، ولكنني اكتشفت فيما بعد أنها جهود مبطنة بالخير والإحسان، مكتوب أجرها عند الله تعالى، ولكنها في الوقت ذاته تعبث بأوقاتك، وتهدر جهودك، وتستنزف طاقتك التي من الأفضل أن تستثمرها في محطات أجدى، نفعها أكبر، ونتاجها أجمل. أحاكي نفسي ومن أحب بأننا في هذه اللحظات إنما نكتب الخير، وننشر الكلمة الهادفة، ونبث تسجيلاً مفيداً، لربما حرك القلوب، وأثر في بعض النفوس، وكانت لهذه الكلمات آثار في رجوع صاحبها إلى طريق الاستقامة، ولربما عالجت قصوراً في ارتياد مواطن الأجور.
هي لحظات أخبرت من أحب أننا يجب أن نستمتع بها، لأننا نرى فيها صور الفردوس الأعلى، نستمتع مع أزواجنا وذرياتنا وإخواننا وأخواتنا وأهلينا، وكما نقول: "نريد أن نشبع منهم"، لأننا ندرك أن الجميع سيرحل، وأن الندم في بعض مراحل العمر لا ينفع. نريد أن نشبع منهم، ونعرف أننا لن نشبع أبدًا، لأننا ننتظر لحظات الالتقاء في جنبات الفردوس الأعلى، وتحت ظل عرش الرحمن، وما أجملها من لحظات. نحاول إشباع نفوسنا من الخير، حتى تزداد حسناتنا في مراتب الآخرة، وحتى نفوز بأجمل منزلة في الفردوس الأعلى، فنبر الأرحام، ونرتوي من الإحسان إليهم، ونكسو حياتنا بضحكات جميلة معهم، ونقبل رؤوس من يكبروننا، ونحضنهم، حتى إذا جاءت لحظات الرحيل، لربما تكون تلك الذكريات بلسماً لقلوبنا، ونستذكرها هناك عند الله تعالى، فنبتسم لمواقف الخير في الدنيا، وهي التي أوصلتنا إلى المنزلة التي كتبها المولى لنا.
أنظر إلى الحياة كما تصورها كلمات القرآن الكريم، فأجدها مجرد صفحات سريعة تُطوى، وإن المرء يجب أن يعمل فيها عمل خير في كل لحظة، حتى يلقى الله تعالى به، إن أدركته المنون في أي لحظة، وهو على يقين بأنها ستأتي في يوم من الأيام. فهي محطة لمزرعة الآخرة، قال تعالى: "وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"، وقال سبحانه: "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا".
ومضة أمل:
لن نتعب أنفسنا أبداً في محافل لربما لم تقدر عطاءاتنا، بل سنمضي سريعاً في لحظات نتنفس فيها الحياة، حتى نلهم الخير في قلوب أحبتنا بصدق، وحتى ننشر صور الأمن والطمأنينة في قلوب من أحبوا صدق توجهنا، وحتى نرسم أجمل صورة تُجمّل ساعة رحيلنا.