في الأيام الماضية، لم يكن من الصعب أن تعرف من يشجع أي منتخب. يكفي أن تدخل مجلساً، أو تفتح مجموعة في «الواتساب»، أو تجلس في استراحة عمل، لتجد النقاشات محتدمة حول نتائج المباريات، وحسابات التأهل، وأسماء اللاعبين، والرهانات الودية على وجبة عشاء أو فطور الصباح.
أحدهم أخذ جزءاً من إجازته السنوية ليتابع البطولة براحة. وآخر أعاد ترتيب مواعيده بالكامل حتى لا تتعارض مع المباريات. وثالث صار ينام ويستيقظ وفق جدول البطولة أكثر مما يفعل وفق جدول حياته المعتاد. بل إن بعضهم بات يعرف مواعيد المباريات بالدقيقة والثانية، ويضبط منبهاته على صافرة البداية، ويحرص على أن يكون في مكانه قبل انطلاق اللقاء بوقت كافٍ.
لا شيء مستغرب في ذلك. فالشغف بكرة القدم ظاهرة عالمية، والبطولات الكبرى قادرة على أن تجمع ملايين البشر حول شاشة واحدة.
لكن ما استوقفني في كل هذا المشهد لم يكن كرة القدم نفسها، بل ذلك الانضباط الذي يظهر فجأة. فالشخص الذي لا يجد وقتاً للرياضة يجد وقتاً للمباريات، والذي يؤجل قراءة كتاب لأنه مشغول يجد ساعات طويلة للمتابعة والتحليل، والذي يشتكي من صعوبة الاستيقاظ صباحاً يستطيع السهر حتى ساعات متأخرة من أجل مباراة ثم يستيقظ في موعدها دون تردد.
عندها أدركت أن السر ليس في كرة القدم، بل في الرغبة. فالإنسان حين يريد شيئاً حقاً، يعثر على الوقت، ويعيد ترتيب أولوياته، ويصبح أكثر التزاماً مما كان يعتقد. ولهذا فإن أكثر ما كشفته البطولة ليس مستوى المنتخبات ولا مفاجآت النتائج، بل حقيقة بسيطة نحاول الهروب منها كثيراً: نحن نملك وقتاً أكثر مما ندعي، لكننا نمنح بعض الأشياء أفضل ما لدينا من وقت وجهد وتركيز، بينما نؤجل أشياء أخرى رغم أنها الأجدر بذلك.
ولعل أكثر المشاهد دلالة على ذلك هو صباح اليوم التالي للمباراة، حين يصل بعض الموظفين إلى أعمالهم مرهقين بعد ليلة طويلة من المتابعة. ليس لأن الظروف أجبرتهم، بل لأنهم اختاروا أن يمنحوا المباراة أولوية أكبر من الراحة التي يحتاجونها ليوم العمل التالي.
وهنا لا ألوم أحداً على حب كرة القدم، فالشغف بالأشياء الجميلة جزء من الحياة. لكن البطولة تطرح سؤالاً يستحق التأمل: إذا كنا قادرين على إعادة ترتيب يوم كامل من أجل تسعين دقيقة من اللعب، فماذا يمكن أن يحدث لو منحنا أهدافنا الشخصية ومستقبلنا المهني ومشاريعنا المؤجلة جزءاً من هذا الحماس؟
وبصراحة، لا أعتقد أن كأس العالم كشف لنا فقط الفرق المتأهلة والخاسرة، بل كشف لنا أنفسنا أيضاً. فقد أثبت أن المشكلة لم تكن يوماً في الوقت، ولا في ازدحام الحياة، بل في الشيء الذي نقرر أنه يستحق هذا الوقت.
فما دام الإنسان قادراً على أن يمنح مباراة تسعين دقيقة كل هذا الحماس والاهتمام والانضباط، فهو قادر أيضاً على أن يمنح أهدافه وأحلامه ومستقبله جزءاً من ذلك. وربما عندها فقط سيكتشف أن الوقت الذي كان يبحث عنه طوال هذه السنوات... كان موجوداً أمامه منذ البداية.