جاء في ميثاق العمل الوطني: «ولقد كانت دعوة شعب البحرين بكل فئاته الشيخ عيسى بن علي آل خليفة لتولي الحكم في البلاد.. أول بروز للإرادة الوطنية الشعبـية عند أهل البحرين، وهكذا جاءت البيعة الأولى في تاريخ البحرين الحديث لحاكم شاب جاء يحمل أملاً لحكمٍ وطني يصون سلمه وأمنه لخمسة وستين عاماً أظهرت بشكل واضح مدى التلاحم بـين الشعب وقيادته، وشكـّـل استـقراره السياسي والتجاري الحقبة الحضارية التي عبرت منها البحرين إلى العصر الحديث».

البيعة الأولى: أساس الاستقرار

مثلَّت بيعة صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة طيِّب الله ثراه عند توليه مقاليد الحكم سنة 1869م ملمحاً فاصلاً في تاريخ البحرين الحديث، حيث جاءت في مرحلة اتسمت بظروف إقليمية ودولية معقّدة تطلّبت وجود قيادة حكيمة قادرة على حفظ الأمن والاستقرار. وقد عبّر عموم أعيان وأهالي المجتمع ووجهاؤه عن تأييدهم التام لتولّيه الحكم، في نموذج واضح من صور الالتفاف الشعبي حول القيادة، بما أكّد الثقة الواسعة بشخصيته وما تميّز به من حكمة ورجاحة رأي ومقدرة على إدارة شؤون البلاد.

إنّ هذا الحدث مثابة استفتاءٍ على حكم آل خليفة عامّة وحكم الشيخ عيسى بن علي خاصّة؛ حيث شارك فيه مختلف أبناء البحرين مؤكّدين ولاءهم التام لأسرة آل خليفة الكرام، ولم يكن هذا الالتفاف مجرد مظهر اجتماعي، بل مثّل حالة من التوافق المجتمعي الواعي بأهمية وجود قيادة موحِّدة خاصّة في ظل التحديات. فقد أدرك المجتمع البحريني بجميع أطيافه أنّ الاستقرار السياسي وحماية مصالح البلاد الاقتصادية والاجتماعية يتطلبان الاجتماع على حاكم يحظى بالقبول العام، الأمر الذي جعل اختيار الشيخ عيسى الكبير قائماً على القبول المجتمعي والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب.

وقد شارك في هذا الاختيار أعيان البلاد ووجهاؤها إلى جانب عموم السكان، الأمر الذي يعكس وعياً مجتمعياً مبكراً بأهمية دعم الحُكم وتعزيز وحدة الصف. وقد أسهم هذا التأييد الشعبي للشيخ عيسى بن علي في ترسيخ شرعية الحكم وتعزيز الاستقرار الداخليّ منذ بداية عهده، واستمر هذا الالتفاف ممتداً طيلة فترة حكمه التي تجاوزت الستة عقود، إذ ارتبط الاستقرار السياسي بثقة المجتمع بقيادته واستمرار التعاون بينهما.

وقد ساعدت مؤهلات صاحب العظمة الشيخ عيسى الكبير القيادية والإدارية على ترسيخ هذا الاستقرار، إذ تميزت سياسته بالحكمة في التعامل مع التوازنات الإقليمية والدولية، والعمل على تنظيم الإدارة المحليّة وتوطيد الأمن الداخلي، إلى جانب دعم الاقتصاد البحري والتجاري في مرحلة كان فيها الغوص على اللؤلؤ والتجارة البحرية يمثلان عصب الحياة الاقتصادية في البحرين. وقد أسهم هذا الاستقرار في ازدهار النشاط التجاري وتعزيز مكانة البحرين كمركز اقتصادي نشط في الخليج العربيّ.

البيعة في الإسلام: مفهوم قائم على الاجتماع ووحدة المجتمع

فالبيعة ذات أصل يرتبط بمفهومٍ شرعيّ إسلامي يستند إلى التوافق بين الحاكم والرعية من أجل تحقيق المصلحة العامة ووحدة المجتمع. قال تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾،

كما قال (ص) في الحديث الشريف: ﴿من مات وليس في عُنُقه بيعة مات ميتةً جاهليّةً) (رواه مسلم) .وقد عُرفت البيعة في التاريخ الإسلامي باعتبارها عقداً يقوم على المسؤولية المشتركة والالتزام بالطاعة في المعروف، بما يحفظ استقرار المجتمعات ويمنع الفرقة، ويعزّز التعاون بين القيادة والمجتمع في إدارة شؤون الدولة.

امتداد نظام البيعة في تاريخ مملكة البحرين

وفي هذا المنطلق فإنّ البيعة التي أُعطيت لصاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة من قبل المجتمع البحرين خلفاً لوالده الشيخ علي بن خليفة تعد من الأحداث التاريخية المهمة التي تندرج في إطار السياق التاريخي والإسلامي الأوسع لمفهوم البيعة كوسيلة لتعزيز الشرعية السياسية والوحدة الوطنية في البحرين، وهذا النوع من البيعة لم يكن معزولاً بل كان بمثابة استمرار لتقاليد وثوابت سياسية واجتماعية في تاريخ مملكة البحرين، التي ظل فيها دعم المجتمع من الركائز الرئيسة للعلاقة بين الحاكم والشعب على مر عصور حكم آل خليفة الكرام.

الولاء للقيادة قيمة وطنية راسخة

وإذا كانت بيعة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة قد مثلّت صورةً مبكرة من صور الالتفاف الشعبي حول القيادة، فإن برقيات الولاء والتأييد من قبائل وأهالي البحرين المرفوعة إلى حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه خلال هذه الفترة تمثل امتداداً لهذا النهج، إذ عكست ما يتمتع به جلالته من تأييد ودعم من مختلف فئات المجتمع البحريني، وأكّدت تمسك أبناء الوطن بوحدة الصف والوقوف إلى جانب قيادتهم في مختلف الظروف.