يشهد العالم اليوم تحولاً عميقاً في مفهوم حماية الطفل، بعد أن أصبحت البيئة الرقمية جزءاً أصيلاً من حياته اليومية، فالطفل يتعامل مع فضاء واسع تحكمه الخوارزميات، وتديره منصات عابرة للحدود تتنافس على جذب انتباهه، والتأثير في تفكيره، الأمر الذي جعل السلامة الرقمية للطفل قضية اجتماعية وتربوية وحقوقية في آن واحد، تستدعي انتقالاً واضحاً إلى التنظيم التشريعي المسؤول.

ولا تنحصر خطورة استخدام الأطفال للمنصات الرقمية في طول ساعات الاستخدام، وإنما تمتد إلى طبيعة البيئة ذاتها، بما تتضمنه من محتويات لا تلائم أعمارهم، وتفاعلات قد تعرضهم للتنمر أو الاستدراج أو العزلة، فضلاً عن جمع بياناتهم الشخصية واستثمارها تجارياً بما يتجاوز إدراكهم، وهنا يجد الطفل نفسه في مواجهة غير متكافئة مع أدوات تقنية صُممت للكبار، وتعمل بمنطق اقتصادي يسعى إلى إبقاء المستخدم أطول مدة ممكنة داخل المنصة.

وتتعمق خطورة هذه البيئة عندما ننظر إلى طريقة تصميم المنصات ذاتها، فآليات التمرير المستمر، وسرعة الانتقال بين المقاطع، والتعرض خلال دقائق لموضوعات متباينة ومشاعر متناقضة، قد تؤثر في تركيز الطفل وتفاعله الواقعي مع محيطه، فالطفل الذي يعتاد الإشباع السريع والتلقي المتواصل قد يصبح أكثر ميلاً إلى الملل، وأقل رغبة في الحوار الهادئ أو الاحتكاك الاجتماعي الحضوري، وبما ينعكس على نموه النفسي والاجتماعي.

ولهذا اتجهت دول عديدة إلى مراجعة تشريعاتها بشأن استخدام الأطفال للمنصات الرقمية، ووضعت قيوداً عمرية تصل إلى حظر استخدام بعض المنصات على من هم دون السادسة عشرة، إذ أصبح هذا التوجه جزءاً من الالتزامات الحقوقية الحديثة وفق ما أكد عليه التعليق العام رقم 25 لسنة 2021 للجنة حقوق الطفل، الذي نظر إلى البيئة الرقمية باعتبارها مجالاً تمتد إليه حقوق الطفل في الحماية والخصوصية والتعليم وعدم الاستغلال، بما يجعل مسؤولية الحماية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمنصات الرقمية، كل في حدود دوره والتزامه.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المبادرة التشريعية البحرينية التي تقدم بها أعضاء مجلس الشورى، من خلال اقتراح بقانون لتعديل قانون الطفل، بإضافة فصل خاص بالسلامة الرقمية، يحظر استخدام المنصات الإلكترونية لمن هم دون الخامسة عشرة، وينظم آليات استخدامها للفئة العمرية من 15 إلى 18 عاماً، وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه ينقل حماية الطفل من دائرة الاجتهاد الأسري إلى إطار قابل للنقاش والتطوير، يقوم على مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، ويجمع بين التوعية، والتحقق من العمر، ومسؤولية المنصات، وتوفير بدائل رقمية آمنة.

ومن هذا المنطلق، فإن السلامة الرقمية لا تعني إبعاد الطفل عن العصر، بل إدخاله إليه بوعي وتدرج وحماية، من خلال بيئة آمنة تراعي عمره ونضجه، وهنا تملك البحرين، عبر هذه المبادرة التشريعية، فرصة لتقديم نموذج عالمي متوازن يجمع بين حماية الطفولة ومواكبة التحول الرقمي، بما يؤكد أن التشريع الاستباقي أحد أدوات الدولة الحديثة في صون الإنسان، وتحقيق التوازن بين الحماية والتمكين.