بعد خرق إيران لوعودها، وإطلاق النار على سفن كانت في المياه العُمانية، وتهديدها للسفن، فإن إيران، في ظل وجود بقايا من الحرس الثوري الإيراني، لا يمكنها أن تكون محل ثقة، لا في جلسات حوارية مع الخليج، ولا في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية.
والأدهى أن بعضنا يفكر بمكافأة القرصنة والإرهاب والابتزاز بالجلوس معه والتفاهم معه.
إيران لن تكون دولة طبيعية طالما الحرس الثوري له وجود. إيران بحاجة إلى تغيير جذري تستحدثه في نظامها يقطع صلتها ببند «تصدير الثورة» في دستورها، وذلك للتخلي عن مشروعها التوسعي، والتخلي عن أذرعها طوعاً، إن كانت تريد أن تكون لها علاقة طبيعية بجوارها والعالم.
تغيير تعزّز فيه قوميتها الفارسية دونما الحاجة لرفع راية أممية كالراية الإسلامية، لتدخل عام 2027 بحلة جديدة طبيعية يستطيع العالم أن يتفاهم معها، فهل تستطيع أن تفعل ذلك؟ يبدو ذلك من المستحيلات مادامت القيادات المتبقية من الحرس الثوري باقية ومصرّة على التدخل في الشأن السياسي، وممسكة بزمام الأمور.
الصعوبة تكمن في أن قيادات هذا التنظيم ترتبط مصالحها التجارية ونفوذها السياسي والمالي بالشرعية الدينية، أي بعمامة وليها الفقيه «المختفي»، ومن خلال ظله يتحكمون في القرار، منذ تأسيس التنظيم في مايو من عام 1979 إلى اليوم.
الوجوه المدنية التي تتصدّر مشهد المفاوضات، سواء قاليباف رئيس البرلمان، أو عراقجي وزير الخارجية، أو بزشكيان الرئيس المنتخب، غير قادرة -حتى اللحظة- على التقاط اللحظة والتصدّر لتمثيل إيران، فقيادات الحرس لا تُعير أي اتفاق إيراني مع أي طرف اهتماماً، أما الوجوه السياسية فجهودها تنحصر في إعادة تموضع النظام السابق، ومحاولاتهم لتحسين علاقته بدول الخليج، وجميعها محاولات مبكرة جداً ومتسرعة، بل لا توحي بالثقة، خاصة أنها جاءت كلها تحت مسمى «سوء التفاهم»!!
إيران، كي تُعيد تموضعها عالمياً وإقليمياً، بحاجة إلى «أتاتورك» إيراني، زعيم يعمل على بناء «الجمهورية الإيرانية».
نجح مصطفى كمال أتاتورك، وكان قائداً للقوات العسكرية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، بانقلاب عسكري في عام 1923، وأعلن قيام الدولة التركية القومية، ووضع أسساً لنظرية ركّزت على الداخل التركي سُمّيت «بالكمالية»، بعد أن قطع صلته بكل أطراف الدولة العثمانية غير التركية، وإيران بحاجة لأتاتورك إيراني قادر على إلغاء قرار هام ادعاه الملالي، وهو مسؤولية إيران عن شيعة العالم، والاكتفاء بالتعامل مع الفسيفساء الإيرانية الداخلية كمسؤولية قومية.
أتاتورك إيراني يركّز عمله على الداخل الإيراني، يصفّر مشاكله مع دول الجوار، ويلغي بند تصدير الثورة من دستوره، كما فعل أتاتورك في تركيا، إذ تخلّى عن الزعامة الإسلامية، واكتفى بوطنه القومي، وركّز جهده لإعادة بنائه. ربما تلك هي الطريقة الوحيدة كي تفكر دول الخليج في إعادة علاقتها بإيران، ويمكن لإيران أن تُعيد علاقاتها الطبيعية مع بقية العالم.
دونما حاجة لا لأذرع ووكلاء، ودونما حاجة لتسلّح نووي، إنما مازال الدستور الإيراني يتضمّن بند تصدير الثورة، ومازالت هناك بقايا وفلول للتنظيم الإجرامي المكلّف بتبنّي تمويل وتدريب ودعم خدم له في دولنا العربية، فيستحيل أن يقنعنا لابسو البدلات بوجود تغيّر حقيقي يستحق إعادة النظر في الثقة المعدومة بيننا وبين إيران.