الاجتماع الأخير الذي احتضنته مملكة البحرين للمجلس الوزاري الخليجي الأمريكي، لا يمكن قراءته ضمن سياق الاجتماعات العادية، خاصة وأنه يأتي بالتزامن مع المفاوضات التي تجرى بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة إيران الإرهابية في سويسرا.
وتذكرت حينها قصة تاريخية للملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله، في بداية حقبة تأسيس المملكة العربية السعودية الحديثة، حيث كان يعبر البحر ليستمع إلى رأي صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين وتوابعها طيب الله ثراه، ويسترشد بأفكاره وخبراته وعمق حكمته، ولقد كانت البحرين منذ قديم الأزل منارة الرأي الرشيد ومجمع السياسة الخليجية، ولو بحثنا في تاريخ دلمون ربما سنجد آثاراً تحكي لنا قصصاً عن جزيرتنا ومركزيتها العالمية.
ظلت البحرين على مر التاريخ بموقعها في قلب الخليج، وبتاريخها الضارب في أعماق الحضارة الإنسانية، وبتجربتها الراسخة في إدارة التنوع وتوازن المصالح، مثالاً ومرجعاً استراتيجياً، ترجمه هذا الاجتماع الأخير، برسالة مستحدثة تقول «إن البحرين تواصل أداء دورها التاريخي برؤية حديثة وضعها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وتنفذها الحكومة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله.
ولربما هذه الذكرى التاريخية لعلاقة البحرين بمحيطها، كانت البذرة والنموذج المبكر للتكامل الخليجي ومجلس التعاون، وهو نفس المنطق الذي يحكم اليوم الدور المحوري الذي تؤديه البحرين في المشهد الخليجي والدولي.
لا يمكن الاستهانة بهذا الاجتماع الأخير وقراءته بصورة بسيطة، لأنه اجتماع بُحث فيه أحد أعقد الملفات وأشدها حساسية، ليس على دول المنطقة فقط، ولكن على أمريكا ودول العالم الذي تتضرر من الحرب، بخنق أحد أهم مصادر النفط والطاقة في العالم، ولذلك أكاد أجزم بأن أنظار العالم كانت مركزة على البحرين وما سيتمخض عن اجتماعها من قرارات وبيانات، وقد كان ذلك فعلاً.
لقد اختارت واشنطن أن يكون الاجتماع الوزاري للمجلس الخليجي الأمريكي على أرض البحرين، في اللحظة الأشد حساسيةً من مسار التفاوض مع طهران، وبالتزامن مع المسار المحدد له 60 يوماً، وبعثت الولايات المتحدة وزير خارجيتها دون ترتيبات مسبقة ليُحيط الشركاء الخليجيين علماً بتفاصيل تلك المفاوضات قبل إعلانها رسمياً، وذلك لأنهم طرف أساس في معادلة التفاوض الجارية.
ولقد أكد السيد روبيو ذلك في تصريحاته بأن دول الخليج شركاء فاعلون في عملية التفاوض، وشدد على أن المفاوضات مع طهران ليست تنازلاً بل مساعيَ لنتيجة قابلة للتحقق والرقابة، وفي مقابل اشتراط إيران الزج بملف حزب الله الإرهابي ضمن المفاوضات، فإن ملف أمن الخليج يأتي على رأس المناقشات، وأعتقد أن هناك اجتماعات أخرى ستعقد بين دول الخليج وأمريكا خلال هذه الفترة لتكثيف وتعزيز القوة التفاوضية لأمريكا في مواجهة إيران، وبهذا يمكن إعادة رسم معادلات الردع الخليجي وتحقيق مكاسب أمنية واقتصادية وسياسية.
أمر أخير وقد يكون أكثر أهمية يجب أن ألفت النظر إليه، وهو تواجد سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة في واشنطن لإجراء لقاءات على مستويات رفيعة مع مسؤولين وشخصيات أمريكية نافذة، بالتزامن مع الاجتماع الوزاري الخليجي الأمريكي، فهذا التزامن بين الحدثين ليس مصادفةً تنظيمية، بل هو على الأرجح تنسيق مقصود ومثال نادر على إدارة اللحظات الحساسة والديناميكية الدبلوماسية بالغة التطور لدى مملكتنا.
ولا أشك أن تلك الاجتماعات التي جرت في واشنطن لها علاقة وثيقة بما جرى في البحرين، إذ أرادت البحرين أن تنقل رسائل للمسؤولين في الإدارة الأمريكية لمنح زخم أكبر لوجهة النظر البحرينية والخليجية في عملية المفاوضات.