يحتفي العالم في السابع والعشرين من يونيو باليوم العالمي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهي مناسبة دولية تتجاوز حدود الاحتفال الروتيني لتشكل وقفة تأمل واستراتيجية، نرصد من خلالها حجم الإنجازات ونرسم فيها ملامح المستقبل لقطاع يمثل العصب النابض للاقتصاد الوطني والركيزة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة.

إننا في مملكة البحرين، وفي ظل الرؤية الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، والمتابعة الحثيثة والتوجيهات السديدة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمدآل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، نفخر بأننا استطعنا صياغة نموذج اقتصادي رائد، يضع المؤسسات الناشئة والصغيرة والمتوسطة في مقدمة أولويات الخطط التنموية الوطنية، باعتبارها المحرك الأول للابتكار وتوليد فرص العمل.

عندما ننظر إلى لغة الأرقام والمؤشرات الحديثة، نجد أن قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يمثل ما يتجاوز 98% من إجمالي المؤسسات التجارية المسجلة في مملكة البحرين. هذا الثقل العددي يترجم مباشرة إلى دور حيوي في استيعاب العمالة الوطنية، حيث يسهم القطاع بنسبة تتخطى 40% من إجمالي التوظيف في القطاع الخاص، فضلاً عن مساهمته المتنامية في الناتج المحلي الإجمالي والتي تقترب من حاجز 30% مع تطلعات وطنية جادة لرفع هذه النسبة خلال السنوات القليلة المقبلة.

وعلى الصعيد العالمي، تؤكد تقارير البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة أن هذه المؤسسات توفر نحو 50% من فرص العمل حول العالم، وتسهم بما يصل إلى 40% من الدخل القومي في الاقتصادات الناشئة. هذه التقاطعات الرقمية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن دعم هذا القطاع محلياً هو استثمار في استقرار الاقتصاد العالمي ككل.

لقد تميزت مملكة البحرين بإطلاق مبادرات نوعية وشراكات استراتيجية متكاملة لضمان استمرارية ونمو هذه المؤسسات. ويأتي صندوق العمل (تمكين) في طليعة الجهات التي قادت هذا التغيير من خلال برامج الدعم المحدثة التي تركز على رفع الكفاءة الإنتاجية، ودعم التوظيف، وتسهيل الحصول على التمويل عبر الشراكات مع البنوك المحلية كبنك البحرين للتنمية.

كما لا يمكننا إغفال الدور المحوري لوزارة الصناعة والتجارة، ومجلس تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، اللذين عملا على تيسير بيئة الأعمال وتطوير الأطر التشريعية، ومن بينها خطط تخصيص حصة من المشتريات والمناقصات الحكومية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بنسبة تضمن لها تدفقات مالية مستقرة وفرصا حقيقية للنمو والمنافسة.

وفي إطار الحراك الأهلي، تواصل جمعية البحرين لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة دورها الريادي عبر إطلاق برامج مستدامة، مثل برنامج «صنّاع القرار الاقتصادي» في نسخه المتتالية، وحاضنات الأعمال التابعة للجمعية التي تأخذ بأيدي رواد الأعمال من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التشغيل الفعلي في السوق، موفرة لهم البيئة الاستشارية والقانونية واللوجستية المناسبة.

إن العنوان الذي بات يفرض نفسه على الأجندة الاقتصادية العالمية والمحلية هو «التحول الرقمي والاقتصاد الأخضر». لم يعد تبني حلول الذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، والأتمتة خياراً ترفيهياً للمؤسسات الصغيرة، بل أصبح شرطاً أساسياً للبقاء والقدرة على المنافسة العابرة للحدود.

بالتوازي مع ذلك، فإن الالتزام بمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية يتطلب منا توجيه رواد الأعمال نحو الممارسات الخضراء والصديقة للبيئة، تماشياً مع أهداف مملكة البحرين للوصول إلى الحياد الصفري الكربوني بحلول عام 2060، إن العمل تحت شعار «دعم المؤسسات في ظل اقتصاد رقمي أخضر» هو الممر الآمن نحو المستقبل.

إن الاحتفال باليوم العالمي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة هو دعوة متجددة لكافة أطراف المنظومة الاقتصادية -من حكومة، وقطاع خاص، ومؤسسات مجتمع مدني، وجهات تمويلية- لمواصلة تضافر الجهود. نحن بحاجة إلى الاستمرار في تذليل العقبات التمويلية، وفتح أسواق جديدة للتصدير، وتكثيف التدريب النوعي للشباب البحريني ليكون قادرًا على قيادة مشروعه الخاص بكفاءة واقتدار.

ختاماً، نتوجه بتحية تقدير وإجلال لكل رائد ورائدة عمل في مملكتنا الغالية، والذين يسهمون بعزمهم وإبداعهم في صياغة قصة نجاح البحرين الاقتصادية. إن ثقتنا في طاقاتنا الوطنية لا حدود لها، وسنظل في جمعية البحرين لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الشريك الداعم والسند القوي لكل فكرة طموحة تبني هذا الوطن.

رئيس مجلس إدارة جمعية البحرين لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة - أحمد صباح السلوم