* كلما أهلَّت علينا الإجازة الصيفية، استذكرنا تلك الأيام الجميلة التي كنا نستثمرها في الخير، وكانت بالنسبة إلينا أياماً ننتظرها بفارغ الصبر، لنسعى فيها إلى تنمية المهارات، وطلب العلم، واستثمار الأوقات فيما هو نافع ومفيد. وهي بالفعل أيامٌ ينبغي ألا تضيع سدىً دون أهدافٍ مرجوة لأبنائنا على اختلاف أعمارهم؛ فالحياة أضحت ميداناً لتعلُّم المهارات، والاستزادة من المعارف، واكتساب كل جديد، والانفتاح على التقنية المتقدمة، حتى يتهيأ الأبناء مبكراً لسوق العمل، وينفتحوا على العالم دون عزلة، ويكونوا أصحاب أثرٍ مستدام. فالأسرة اليوم مطالبة بأن تبحث عن محطات لتنمية مهارات أبنائها، كما أن المجتمع، بمختلف مؤسساته، مطالب بأن يفتح أبوابه لهم، ويعلّمهم مهارات الحياة العامة والخاصة، والمهارات الفنية في شتى التخصصات. إنه موضوع قديم متجدد، ولكن في زمن تسارع فيه إيقاع الحياة واتسع فيه الانفتاح، أصبح الاستثمار في الإنسان هو الأساس في نهضة الوطن وازدهاره، ولعل الإجازة الصيفية الطويلة خير ميدان لاستثمار أوقات الأبناء في تعلّم كل ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
* ومهما حاول الأبوان جاهدين أن يربيا أبناءهما على الخير والاستقامة، وأن يكونوا صناعاً للخير في الحياة، فإنهما، بلا شك، يواجهان تحدياً مستمراً في غرس القيم والثوابت والأسس التي يسير عليها الأبناء في حياتهم حتى يكبروا، ولا سيما في ظل هذه الأجيال المتعاقبة التي عاصرت الانفتاح الإعلامي الهائل. وعلى الأسرة أن تدرك أنها ليست العنصر التربوي الوحيد في حياة أبنائها، بل إن المجتمع بأسره، وعوالم الثقافات المختلفة، أضحت عناصر مؤثرة، بلا ريب، في تربيتهم، وفي تشكيل قناعاتهم وميولهم؛ لذا فإن العناية بغرس القيم، والمتابعة الأسرية الواعية، أصبحتا من أهم ركائز التربية الأسرية. والأهم من ذلك كله، ألا يغفل الآباء والأمهات عن الغرس الإيماني في نفوس أبنائهم، وعن الدعاء لهم، فهو الحصن الإيماني الحقيقي، ومنه قوله تعالى: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، وقوله تعالى: «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ»، وقوله تعالى: «رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً»، وقوله تعالى: «رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ».
* إن الاستثمار في الشباب، مع إدماجهم في محطات حكمة الكبار ونضجهم، أصبح من الأمور المهمة التي ينبغي الاهتمام بها، واعتبارها مسلكًا أساسيًا في نقل الخبرات، وتوطين المهارات والمعارف الحديثة في مختلف مجالات الحياة، والميادين التي نسعى فيها إلى تجديد الدماء، وصناعة قامات إدارية ومهارية متخصصة في شتى المجالات، قائمة على التعايش العملي، وتكوين صفوف جديدة من القادة الملهمين، الذين يورثون حكمتهم وتجاربهم العملية إلى الأجيال الصاعدة، والتي بدورها توظف هذا النهج في إدارتها المعرفية والعملية في الميدان الذي تعمل فيه.
* ومن الجميل أن نعطي الفرصة لأولئك الذين نشؤوا وهم يتذوقون شغف المهارات التي تعلموها؛ فهم بلا شك الأجدر والأكثر قدرة على إحداث الأثر في المساحات التي تحتاج إلى تطوير وفكر جديد يُسهم في الارتقاء بأساليب العمل. فعندما تحظى بشخصيات شغوفة بعملها، محبة لتخصصها، فإنك تكون قد اختصرت على نفسك مسافات طويلة من الجهد؛ فأينما وُجد الشغف، وُجد النجاح العملي الذي يقود إلى النجاح الحقيقي.
* وعندما لا تتعامل بعدالة وصدق مع من تديرهم، وتسلك معهم أسلوب اللف والدوران، ولا تهتم أصلًا بأولئك المجيدين لأعمالهم، المخلصين في عطائهم، الذين يحبون أن تكون في دائرة الخير والعطاء، فإنك بذلك تكون قد خسرت الكثير، وأضحت ملامحك مكشوفة للجميع، ولعلك تمضي فارغًا من الأهداف المرجوة، فتخسر من حولك، وتتوقف عجلة تقدمك ونجاحك دون حراك حقيقي. إننا بحاجة إلى قادة وعقول تعي مفاهيم العطاء الحقيقي، وتدرك قيمة التجارب الواقعية، وعملية الأفكار التي ينبغي ألا تكون مجرد فقاعات زائلة.. فأيام المسير القائمة على فقاعات الكلمات، والإسهاب في العبارات الفلسفية، والأفكار الرنانة، إنما هي أيام عقيمة النفع، بلا أثر يُرجى لأصحابها، الذين لا تنضج أفكارهم، ولا تكون مخرجات أعمالهم ذات أثر واضح في مسير أعمارهم.
* ومع ازدياد عبث بعض الأفراد بالأوقات، تجد نفسك محاطًا بسلسلة من الممارسات العابثة التي تستنزف أيام عمرك، وأوقاتك، وصحتك، فتحاول جاهدًا أن تنتشل نفسك من هذا العبث، ومن ذلك التيار الهادم لإنتاجية العمر؛ لأنك منحت نفسك فرصاً كثيرة لتصحيح المسار، وحاولت تغيير البيئة التي تعيش فيها، أو الأشخاص الذين تتعامل معهم، لكنك اكتشفت أنك تمضي في خطوات خاوية الأثر، عديمة الجدوى. وفي مثل هذه اللحظات، وفي خضم مفاجآت الحياة، تجد نفسك مضطراً إلى تغيير كثير من أساليبك، وتجديد رؤاك وخطواتك، والابتعاد عن أولئك الذين خدعوك بعذب أقوالهم، بعدما وثقت بوعودهم التي اتضح لاحقاً أنها لم تكن سوى عبث باسمك، وسمعتك، ونجاحاتك التي كانت وما زالت محل تقدير لدى الآخرين. وبالفعل، عندما تصطدم ببعض هذه العقول، فإن ذلك، في الوقت ذاته، يقوّي عزيمتك، ويجعلك أكثر تصالحًا مع نفسك، وأكثر قرباً من ربك؛ فإن بيده وحده التوفيق، وبيده أرزاق الحياة التي نؤمن بأن لنا فيها نصيبًا في أعمارنا، إذا حرصنا على أن نكون أكثر نضجاً، وقوة، ووضوحاً في تعاملنا مع الآخرين. إننا بحاجة إلى الاستثمار الأكبر في ذواتنا، وألا نهدر أوقاتنا فيما لا جدوى منه، وأن نعتني بصحتنا الجسدية والنفسية، وألا نسمح للآخرين بأن يؤذونا بكلماتهم أو بأساليبهم. لقد آن الأوان لأن نكون أقوى من أي وقت مضى، وأن يكون للإيمان، الذي نسعى إلى ترسيخه في قلوبنا، النصيب الأكبر في حياة سريعة الانقضاء.
ومضة أمل
سنبقى موقنين بأن المولى الكريم سيكتب لنا الخير أينما كان، ثم يرضينا به، ونوقن أن الله عز وجل يحبنا، وأن محبتنا له تدفعنا لأن نكون دائماً في صدارة أهل الخير والعطاء. اللهم اهدنا وسدّدنا، اللهم إنا نسألك الهدى والسداد.