سماهر سيف اليزل

أشارت أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الأشغال، إلى أن نسبة الإنجاز في المرحلة الأولى من مشروع تطوير مدينة المحرق بلغت نحو 73%، والتي تشمل تطوير 6 فرجان تاريخية، ما يؤكد التقدم الكبير في أعمال التطوير الشامل.

وتواصل البحرين تنفيذ أحد أكبر مشاريعها الوطنية الرامية إلى صون الهوية العمرانية والثقافية، عبر مشروع تطوير مدينة المحرق، الذي يشكل نموذجاً متكاملاً يجمع بين المحافظة على الإرث التاريخي ومتطلبات التنمية الحضرية الحديثة، وذلك إنفاذاً للأمر الملكي السامي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، بالمحافظة على الهوية التاريخية والثقافية لمباني ومدن البحرين، وإحياء قصر عيسى الكبير، وتطوير مدينة المحرق بما يحفظ مكانتها التاريخية والحضارية للأجيال القادمة.

ويأتي المشروع تنفيذاً لتوجيهات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بتفعيل الخطة التنفيذية الخاصة بالمحافظة على الهوية التاريخية والثقافية لمباني ومدن البحرين، وإطلاق خطة تطوير مدينة المحرق، بما يعزز استدامتها العمرانية، ويرسخ مكانتها كإحدى أهم المدن التاريخية والثقافية في المنطقة.

وتعد مدينة المحرق إحدى أعرق مدن الخليج العربي وأكثرها ارتباطاً بتاريخ البحرين الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، حيث شكلت على مدى عقود طويلة مركزاً للحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في المملكة، كما تحتضن العديد من المعالم التاريخية والمباني التراثية والمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، وفي مقدمتها "مسار اللؤلؤ” الذي يمثل شاهداً حياً على تاريخ صناعة اللؤلؤ في البحرين.

ومن هذا المنطلق، جاء مشروع تطوير مدينة المحرق ليؤسس لمرحلة جديدة من التنمية المستدامة، تقوم على إعادة إحياء النسيج العمراني التقليدي للمدينة، والحفاظ على خصوصية الفرجان التاريخية، وتحسين جودة الحياة للأهالي، بما يحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.

ويمتد المشروع على مساحة واسعة تقدر بنحو 1.4 مليون متر مربع، ويشمل عدداً من البرامج والمبادرات التطويرية التي تستهدف تطوير البنية التحتية، وتوفير وترميم الوحدات السكنية، وتحسين المشهد الحضري، وإنشاء الساحات العامة والمرافق الخدمية، إضافة إلى تطوير شبكة الطرق والممرات وتعزيز المساحات الخضراء.

وتشير أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الأشغال إلى أن نسبة الإنجاز في المرحلة الأولى من مشروع تطوير مدينة المحرق بلغت نحو 73%، في مؤشر يعكس تسارع وتيرة العمل والالتزام بتنفيذ مختلف مكونات المشروع وفق الجدول الزمني المعتمد.

وتشمل المرحلة الأولى تطوير 6 فرجان تاريخية، حيث تم إنجاز عدد من الأعمال الرئيسية التي تمثل حجر الأساس للمشروع، ومن أبرزها الانتهاء من تنفيذ مركز الزوار، الذي يشكل منصة تعريفية متكاملة بالمشروع ومراحله المختلفة، إلى جانب دوره في تعريف الأهالي والزوار بأهداف المشروع ورؤيته التنموية والثقافية.

كما شهدت المرحلة الأولى الانتهاء من تنفيذ الوحدة السكنية النموذجية، التي تجسد الرؤية المعمارية للمشروع، إذ تم تصميمها وفق طراز عمراني مستوحى من العمارة البحرينية التقليدية، مع الأخذ في الاعتبار متطلبات الحياة العصرية واحتياجات الأسر البحرينية، بما يضمن المحافظة على الهوية المعمارية للمدينة مع توفير بيئة سكنية حديثة ومتكاملة.

وفي إطار الجهود الرامية إلى إعادة إحياء الفرجان التاريخية وتعزيز الاستقرار السكاني فيها، تم استكمال توفير وحدات سكنية ذات طابع عمراني تراثي، بما يسهم في الحفاظ على النسيج الاجتماعي للمدينة ويعزز استدامة السكن داخل الأحياء القديمة، مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والثقافية التي تتميز بها مدينة المحرق.

وعلى صعيد البنية التحتية، تضمن المشروع تطوير نحو 3.8 كيلومتر من البنية التحتية الثانوية والطرق الداخلية ضمن المرحلة الأولى، بما يشمل تحديث شبكات الخدمات الأساسية وتحسين الطرق والممرات الداخلية ورفع كفاءة المرافق العامة، بما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للسكان.

كما تم إنشاء أكثر من 300 موقف للسيارات لخدمة الوحدات السكنية والأهالي والزوار، في خطوة تهدف إلى معالجة التحديات المرورية التي تشهدها المناطق التاريخية، وتوفير حلول مستدامة لمشكلة مواقف السيارات، بما يسهم في تعزيز انسيابية الحركة المرورية داخل المدينة.

ولا يقتصر مشروع تطوير مدينة المحرق على أعمال البناء والتشييد فحسب، بل يمتد ليشمل المحافظة على الموروث الثقافي والعمراني، وتعزيز الجوانب السياحية والاقتصادية للمدينة، من خلال تطوير الساحات العامة والممرات والمسارات التراثية، بما يدعم الحركة السياحية ويعزز من مكانة المحرق كوجهة ثقافية وتراثية بارزة على المستويين الإقليمي والدولي.

كما يستهدف المشروع، ضمن مراحله المستقبلية، توفير وترميم مئات الوحدات السكنية، وتطوير عشرات الساحات والمساحات المفتوحة، وزيادة الرقعة الخضراء، بما يسهم في خلق بيئة عمرانية متكاملة ومستدامة، تتواءم مع أفضل الممارسات العالمية في مجال تطوير المدن التاريخية.

ويعكس مشروع تطوير مدينة المحرق حرص مملكة البحرين على صون هويتها الوطنية والحفاظ على إرثها الحضاري، باعتبار التراث العمراني أحد الركائز الأساسية للهوية البحرينية، فضلاً عن كونه رافداً مهماً للتنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية.