لا تكاد تخلو شريعة أو حضارة إنسانية من الدعوة إلى التعاون ومد يد العون للمحتاجين، غير أن الإسلام جعل العمل التطوعي والإحسان إلى الناس عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، وربطها بالإيمان الصادق وحسن الخلق. ومع ذلك، نلاحظ في مجتمعاتنا اليوم مفارقة مؤلمة؛ فبرغم كثرة النصوص الشرعية التي تحث على البذل والعطاء، يتقاعس كثير من الناس عن أداء هذا الدور، معتقدين أن التطوع مسؤولية المؤسسات الخيرية وحدها أو أنه يحتاج إلى وقت طويل أو إمكانات مالية كبيرة، بينما الحقيقة أن أبواب الخير أوسع بكثير من هذه التصورات.
لقد قال الله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»[المائدة: 2]، وقال سبحانه: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ» [الزلزلة: 7]. كما قال عز وجل: «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» [آل عمران: 92]. وتؤكد هذه الآيات أن الخير لا يقاس بحجمه، وإنما بصدق النية والإخلاص فيه، وأن كل عمل نافع، مهما بدا صغيراً، له مكانته عند الله تعالى.
وفي السنة النبوية الشريفة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»، وقال أيضاً: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، وقال: «في كل كبدٍ رطبةٍ أجر»، وهي أحاديث تؤكد أن التطوع ليس مقصورًا على التبرعات المالية، بل يشمل كل عمل يحقق منفعة للآخرين أو يخفف عنهم مشقة.
وعلى مستوى العالم، أصبح التطوع ركيزة أساسية في نهضة المجتمعات وتقدمها. ففي أوقات الكوارث الطبيعية، والحروب، والأوبئة، والأزمات الاقتصادية، يهب ملايين المتطوعين لتقديم المساعدات الإنسانية، والمشاركة في عمليات الإنقاذ، وتوزيع الغذاء والدواء، وتقديم الدعم النفسي للمصابين، والمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة. كما يشارك متطوعون في حملات التبرع بالدم، ومكافحة الفقر، ورعاية كبار السن، وتعليم الأطفال، وحماية البيئة، والمحافظة على الحياة الفطرية، وتنظيف الشواطئ والحدائق، وزراعة الأشجار، ودعم ذوي الإعاقة، وتقديم الخدمات الصحية المجانية في المناطق النائية.
ولم يعد مفهوم التطوع مقتصرًا على الجهد البدني، بل ظهر ما يعرف بالتطوع الرقمي، حيث يقدم المختصون خبراتهم عبر الإنترنت في مجالات التعليم، والاستشارات القانونية، والدعم النفسي، والترجمة، وتصميم المواقع، والتوعية الصحية، والتدريب المهني، وصناعة المحتوى الهادف، مما جعل العمل التطوعي أكثر انتشاراً وتأثيراً في العصر الحديث.
وتتنوع المؤسسات التطوعية حول العالم بحسب طبيعة رسالتها وأهدافها. فهناك المؤسسات الإنسانية والإغاثية التي تقدم المساعدات في أوقات الكوارث والأزمات، والمؤسسات الصحية التي تهتم بعلاج المرضى والتوعية بالأمراض، والجمعيات التعليمية التي تدعم الطلاب وتمحو الأمية، والمؤسسات البيئية التي تعمل على حماية الموارد الطبيعية ومواجهة التغير المناخي، والجمعيات الثقافية التي تنشر المعرفة وتحافظ على التراث، والمؤسسات الشبابية التي تستثمر طاقات الشباب في خدمة المجتمع، بالإضافة إلى المؤسسات المتخصصة في رعاية الأيتام، وكبار السن، وذوي الإعاقة، والأسر المتعففة، وحماية الحيوانات، وتعزيز حقوق الإنسان، وتمكين المرأة، وتنمية المجتمعات المحلية.
ورغم أهمية هذه المؤسسات وما تقوم به من جهود عظيمة، فإن العمل الخيري لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الانضمام إليها. فكل إنسان قادر على أن يكون متطوعاً بطريقته الخاصة، حتى وإن لم يحمل بطاقة عضوية في أي جمعية أو منظمة. فالخير يبدأ من الفرد، ثم يمتد إلى الأسرة، ثم المجتمع بأسره.
كما أن الإنسان يستطيع أن يغرس شجرة في شارع أو حديقة، فيكون له أجرها ما دام الناس والطيور والحيوانات ينتفعون بظلها وثمرها. ويمكنه أن يضع برادة ماء أو يوزع زجاجات ماء باردة على العمال في أيام الحر الشديد، أو يقدم وجبة لمحتاج، أو يطعم حيواناً جائعاً، أو يتبرع بدمه لإنقاذ حياة مريض، أو يزور مريضاً في المستشفى فيخفف عنه آلام الوحدة، أو يساعد كبيراً في السن على قضاء حاجاته، أو يفسح الطريق لذوي الإعاقة، أو يزيل حجراً أو أذى من الطريق، أو يعلم طفلاً مجاناً، أو يتبرع بكتاب، أو يبتسم في وجه الناس، أو ينشر كلمة طيبة تبعث الأمل في النفوس.
كما يستطيع الموظف أن يتقن عمله خدمةً للمجتمع، والطبيب أن يخصص جزءاً من وقته لعلاج غير القادرين، والمعلم أن يقدم دروساً مجانية، والطالب أن يساعد زملاءه، ورجل الأعمال أن يدعم المبادرات المجتمعية، ورب الأسرة أن يغرس في أبنائه ثقافة العطاء منذ الصغر. فهذه الممارسات اليومية البسيطة، إذا اجتمعت، صنعت مجتمعاً متراحماً متكافلاً، وأعادت إلى الناس روح المسؤولية المشتركة.
وبالتالي فإن التطوع ليس رفاهية، ولا عملاً موسمياً يرتبط بشهر رمضان أو المناسبات، بل هو أسلوب حياة يعكس رقي الإنسان ووعيه وانتمائه لوطنه وأمته. والأمم التي يشيع فيها العمل التطوعي هي أمم أكثر قوة وتماسكاً وقدرة على مواجهة الأزمات، لأن أبناءها يدركون أن بناء المجتمع مسؤولية الجميع، وليس مسؤولية الحكومات أو المؤسسات وحدها.
وعلى كل قلب أن يدرك أن أعظم رسالة يمكن أن يحملها الإنسان هي أن يجعل أثره الطيب باقيًا بعد رحيله؛ بكلمة صادقة، أو شجرة مثمرة، أو زجاجة ماء تروي عطشاناً، أو زيارة ترفع معنويات مريض، أو يد تمتد لمساعدة محتاج، أو ابتسامة تمنح الأمل. فالخير لا يحتاج إلى منصب، ولا إلى ثروة، ولا إلى عضوية في مؤسسة خيرية، وإنما يحتاج إلى قلب حي يؤمن بأن كل معروف، مهما صغر، هو لبنة في بناء مجتمع أكثر رحمةً وإنسانية، وسببٌ للفوز برضا الله تعالى وأجره العظيم.