بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي


حين تموج خرائطُ الإقليم بما اضطرب من أنبائه، وتضيق آفاقُه بما تكاثف من غُبرائه، وتعلو في أرجائه أصواتُ الوعيد، رعودًا بلا غيث، وبروقًا بلا هدى، وصواعقَ بلا مدى؛ وحين تمضي إيران في غيّها العتيق، ونهجها المريق، لا تملُّ عدوانًا، ولا تشبع تدخّلًا، ولا تكفُّ تحريضًا، كأن الجوار عندها ميدانُ مكيدة، والسيادةَ سورٌ للثُّلمة، والقانونَ قيدٌ للكسر، والمواثيقَ حبرٌ للهدر؛ عندئذٍ لا يكون الحديث عن مجلس التعاون حديثَ قاعاتٍ تُفتح، ولا بياناتٍ تُتلى، ولا صورٍ تُلتقط، ولا عباراتٍ تُنمّق؛ بل حديثَ دارٍ إذا قُرع بابُها نهض أهلُها، وصفٍّ إذا نُودي اشتدَّ بنيانُه، وحصنٍ إذا أقبل الخطرُ عليه ازداد ارتفاعُه، ومصيرٍ إذا أحاطت به النوازل اجتمعت عليه القلوب قبل البنود، وتقدّمت فيه العزائم على العبارات، وثبتت عنده المواقف قبل المقالات.

فمجلس التعاون بيتٌ خليجيٌّ لا تعصف به الريح فتقوضه، بل تمتحنه فتُظهر أصلَه؛ ولا تُحدق به الأخطار فتُضعفه، بل تُزاحمه فتُبرز فضلَه؛ ولا تنزل به الشدائد فتُنقصه، بل تصهره فتزيده صلابةً ونُبلًا؛ ولا تتوالى عليه التهديدات فتُربكه، بل توقظه فتزيد صفَّه التئامًا، وموقفَه إحكامًا، وطريقَه ثباتًا واستقامة.

وليست دولُ مجلس التعاون لدول الخليج العربية جوارًا خطَّه المداد، ولا اجتماعًا دعته الضرورة ثم يصرفه الاعتياد، ولا أسماءً تُجمع في بيانٍ ثم تفترق في الميدان؛ بل هي أهلُ دارٍ واحدة، ونخوةُ ساحلٍ واحد، ووشيجةُ قربى لا تقطعها الحدود، ورابطةُ مصيرٍ لا تضعفها العهود. فيها سيادةٌ تصون، وعزةٌ تسند، ووفاءٌ يشهد، وعزمٌ ينهض، وحكمةٌ ترشد، وحميةٌ تثبت؛ تتعدد الرايات ولا يتعدد الأصل، وتختلف العواصم ولا يختلف النبض، وتتنوع الديار ولا تتفرق الدار.

فإذا مُسّت سيادةُ دولةٍ منها لم يكن ذلك خدشًا في حدٍّ مرسوم، بل مساسًا بعهدٍ معلوم؛ وإذا رُوّع أمنُ بلدٍ منها لم يكن ذلك خبرًا يمرّ، بل نذيرًا يقرع السمع، ويوقظ الجمع، ويستنفر الحزم، ويشدّ العزم.

وقد خاب من حسب دول الخليج العربي أبوابًا متباعدة، أو ظنها عرىً متراخية، أو توهّمه قلوبًا متجافية؛ فهي إذا لان الزمن أخوّةٌ ومودّة، وإذا خشن الزمن قوةٌ وعدّة، وإذا أقبل الطامع وجدها بنيانًا لا تُخلخله المكيدة، وصفًّا لا تشقّه الدعاية، ودرعًا لا تلين حوافُّه، وموقفًا لا يصدأ في الغمد، ولا يرتجف في اليد، ولا يساوم على سيادةٍ صانها الحق، وحرسها العهد، وأحكمتها وحدة المصير.

ومن هذا الأصل الراسخ جاء البيانُ الوزاري المشترك للاجتماع بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأمريكية، لا بوصفه خبرًا يُضاف إلى الأخبار، ولا ورقةً تُضمّ إلى الأوراق، ولا لغةً دبلوماسيةً تُقال ثم تُطوى؛ بل بوصفه شاهدًا على موقفٍ استوى بنيانُه، واتضح بيانُه، واشتدّ برهانُه. فقد جاء البيانُ صريحَ العبارة، مستقيمَ الإشارة، واضحَ الدلالة، يؤكد أن أمنَ دول المجلس ليس موضعَ مداراة، وسيادتها ليست محلَّ مساومة، واستقرارَ شعوبها ليس ساحةً للتجربة، ولا مادةً للمغامرة.

وحين يؤكد البيان رفضَ التهديدات الإيرانية، وصونَ أمن المنطقة، وحمايةَ حرية الملاحة، والتصديَ لكل ممارسةٍ تمس الأمن أو تعبث بالاستقرار، فإنه لا يعلن موقفًا طارئًا، بل يكشف عن قاعدةٍ ثابتة: أن الخليج العربي إذا تكلّم في أمنه لم يتلعثم، وإذا نهض لسيادته لم يتردد، وإذا اجتمع على حقه لم يترك للباطل بابًا يدخل منه، ولا للعدوان ظلًا يستتر به، ولا للفتنة منفذًا تتسلل منه إلى الصف.

ولم يكن هذا الموقف الخليجي وليدَ ساعةٍ عارضة، ولا ثمرةَ ظرفٍ داهم، ولا صدى لاجتماعٍ محدود؛ بل هو امتدادُ نهجٍ رسّخته القيادات، ومسارٌ شدّدت عليه العهود، ووعيٌ سبق الأحداث قبل أن تكشفه الشدائد. وفي طليعة ذلك ما دأبت عليه الكلماتُ السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، من تأكيدٍ رصينٍ على أن مجلس التعاون ليس إطارًا للمجاملة، ولا منبرًا للمداولة، ولا جسرًا تعبره المصالح إذا شاءت ثم تنصرف؛ بل هو ركيزةُ أمنٍ لا تُهمل، وعمادُ استقرارٍ لا يُخذل، وسبيلُ تكاملٍ لا يُؤجَّل.

فقد نظر جلالته إلى الخليج العربي بعين القائد الذي يرى ما وراء اللحظة، ويدرك ما تحت السطح، ويقرأ من حركة الأيام ما لا تقرؤه العيون العجلى؛ فأكد أن وحدة الصف ليست خيارًا بين خيارات، بل ضرورةٌ تمليها الجغرافيا، وتزكيها الأخوة، وتحرسها الحكمة، ويشدّها المصير المشترك إذا أقبل الخطر، واشتد الأمر، واستبان وجه الطامع من وراء ستار القول وشعار السلام.

لقد كانت الكلماتُ السامية لجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، في شأن الخليج العربي وفي مناسبات عدة، كلماتِ بصيرةٍ لا عباراتِ مناسبة، وموازينَ حكمةٍ لا زخارفَ خطاب؛ تتكرر فيها الدعوة إلى الاتحاد لا تكرارَ اللفظ، بل بوصلة الضرورة، وتتجدد فيها الإشارة إلى التكامل لا مجاملةَ المجلس، بل صيانةَ المصير.

فحين تحدّث جلالته عن الترابط، أراد به ترابطَ السند لا تماسَّ الحدود؛ وحين دعا إلى التقارب، أراد به تقاربَ القرار لا تقاربَ الجوار؛ وحين أكد على الاتحاد، لم يجعله أمنيةً مؤجلةً في دفتر السياسة، بل جعله حاجةً حاضرةً في ميزان الأمن، وضرورةً قائمةً في منطق التاريخ، وسبيلًا تحفظ به الشعوب مكتسباتها، وتصون به الدول سيادتها، وتردّ به المنطقة على كل طامعٍ أرادها متفرقةَ الكلمة، متباعدةَ الراية، مستباحةَ القرار.

ومن هنا كان صوت البحرين في هذا المسار صوتَ وفاءٍ لا يتبدل، ووعيٍ لا يتردد، وعزمٍ لا يلين؛ يقرأ الخليج العربي دارًا لا دهليزًا، وعمقًا لا هامشًا، ومصيرًا لا مصلحةً عابرة، وطريقًا إذا سار فيه الأشقاءُ معًا ضاقت على الطامعين مسالكُ الوهم، واتسعت لأهله آفاقُ الأمن والعز والاقتدار.

ومن أجل ذلك، فإن إبراز وحدة الموقف الخليجي في هذه المرحلة ليس عملًا خبريًا محدود الأثر، ولا واجبًا إعلاميًا عابرًا، ولا ترديدًا لبيانٍ صدر وانقضى؛ بل هو حراسةٌ للوعي من التشويش، وصيانةٌ للحقيقة من التلبيس، وتثبيتٌ للصورة في وجه من يريد لها الاضطراب والتدليس.

فالإعلام، حين يصدق في رسالته، لا يكون ناقلًا لما وقع فحسب، بل كاشفًا لما وراءه، ومبيّنًا لما يحيط به، وحارسًا لمعنى الدولة في زمنٍ كثر فيه اللغط، وتكاثرت فيه المنابر، واختلط فيه الخبر بالغرض، والقول بالهوى، والحقيقة بالتهويل.

ومن هنا وجب أن يظهر الصف الخليجي كما هو: صفًا لا تشقّه الدعاية، ووعيًا لا تخدعه الشعارات، وموقفًا لا تُربكه الأصوات، وإرادةً تعرف أن من يفرّط في أمنه فرّط في قراره، ومن يساوم على سيادته ساوم على وجوده، ومن يترك روايته لخصومه سلّم لهم بعض سلاحه قبل أن تبدأ المواجهة.

وفي مواجهة التهديدات الإيرانية، لا يحتاج الخليج العربي إلى صخبٍ يعلو، بل إلى موقفٍ يثبت؛ ولا إلى انفعالٍ يزول، بل إلى اتزانٍ يطول؛ ولا إلى لغةٍ تستعير حدّتها من الغضب، بل إلى قرارٍ يستمد قوته من الحق، وسنده من القانون، ووقاره من السيادة. فإيران، بما تمضي فيه من اعتداءٍ وتدخلٍ وتحريض، لا تختبر صبر دولةٍ بعينها، بل تختبر صلابة منظومة، ولا تقيس حدود أرضٍ وحدها، بل تقيس حدود إرادةٍ كاملة، ولا تواجه بيانًا سياسيًا فحسب، بل تواجه وعيًا خليجيًا يعرف أن أمنه لا يُجزّأ، وأن سيادته لا تُستعار، وأن استقراره لا يُترك رهينةً لوكيلٍ مأجور، أو خطابٍ مأزوم، أو مغامرةٍ لا تعرف من السياسة إلا حافة الهاوية.

ومن هنا فإن الرد الأبلغ على العدوان ليس في ارتفاع الصوت، بل في انتظام الصف؛ وليس في كثرة الوعيد، بل في وضوح الموقف؛ وليس في مجاراة الفوضى، بل في تثبيت الدولة، وصون السيادة، وحراسة الملاحة، وحماية الإنسان، حتى يبقى الخليج العربي ثابتَ القرار، عزيزَ الجوار، محفوظَ الديار، لا تُربكه المكائد، ولا تُرهبه الشدائد، ولا تنال من صفّه عواصفُ العدوان ولا أراجيفُ الخذلان.