عبدالله الجنيد

هل يمثل افتقار الشرق الأوسط لحالة مستدامة من الاستقرار مماثلاً لعقب أخيل في الميثولوجيا الإغريقية، حيث لا يمكن فهم أزمة الاستقرار في الشرق الأوسط بمعزل عن طبيعة البنية الإقليمية التي تتحرك ضمنها الدول والفاعلون التقليديون. فالإقليم، في صورته الراهنة، لا تحكمه ترتيبات جماعية مستقرة، ولا يستند إلى منظومات فعالة لإدارة التنافس أو احتواء الصراعات، باستثناءات محدودة قد لا تكفي لتأسيس نمط إقليمي منظم. ونتيجة لذلك، يظل المجال الإقليمي مفتوحاً على توترات مزمنة، وتوازنات ردع هشة، وتدخلات متبادلة، وغياب منظمة إقليمية قادرة على إنتاج وكالة إقليمية فاعلة وقادرة على ضبط السلوك وتوفير ضمانات الاستقرار.

وفي هذا السياق، لا يمثل غياب الوكالة الإقليمية مجرد نقص مؤسسي (المنظمة الإقليمية)، بل يعكس خللاً بنيوياً في تكوين الإقليم نفسه. فوجود وكالة إقليمية لا يقتصر على توفير إطار للتشاور أو التنسيق، وإنما يتصل بوجود قدرة جماعية على تعريف المصالح المشتركة، وتنظيم التنافس ضمن حدود مقبولة، ومنع التباينات من التحول إلى خلافات أو أزمات. وعندما تغيب هذه القدرة، يصبح الإقليم محكوماً بمنطق التحوط المستمر، وتتراجع فرص بناء الثقة، وتتزايد قابلية العلاقات الإقليمية للانزلاق إلى صيغ مفتوحة من عدم اليقين (الشرق الأوسط من 2003 إلى 2026).

ومن ثم، فإن غياب الوكالة الإقليمية يعيد تشكيل معنى الاستقرار ذاته. فبدل أن يُفهم باعتباره نتاجاً لترتيبات جماعية وقواعد معترف بها، يصبح أقرب إلى حالة مؤقتة تفرضها موازين القوة أو الضرورات الظرفية. وهذا النمط من الاستقرار يظل هشاً بطبيعته، لأنه لا يقوم على أسس مؤسسية مستدامة، بل على توازنات قابلة للاختلال مع كل تحول في موازين القوة أو مع ما تنتجه كل أزمة جديدة (الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة). وبهذا المعنى، فإن معضلة الاستقرار في الشرق الأوسط لا تكمن فقط في كثافة الصراعات، بل في غياب الإطار الذي يمنع إعادة إنتاجها بصورة مستمرة.

وتتضح ضرورة الوكالة الإقليمية، من هذه الزاوية، في كونها تمثل الشرط الأساسي للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء النظام. فذلك ما قد يمنع دون تحول التنافس من حالة انفلات إلى حالة قابلة للضبط، وتوفير قاعدة لاحتواء التوترات قبل تحولها إلى صراعات ممتدة. كما تمنح الفاعلين شعوراً نسبياً بأن المجال الإقليمي لا تحكمه فقط حسابات الردع والمغالبة بهدف الهيمنة بل الشراكة والتعاون الإقليمي من منظور مستقبلي.

أما من منظور مستقبل الشرق الأوسط، فإن الحاجة إلى الوكالة الإقليمية تبدو أكثر إلحاحاً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم والعالم. فاستمرار المنطقة من دون إطار إقليمي منظم يعني بقاءها رهينة الاستقطابات، والتدخلات، والاضطرابات الناتجة عن التحالفات القصيرة الأمد، بما يحول دون نشوء بيئة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. وعلى العكس من ذلك، فإن بناء وكالة إقليمية، ولو بصورة تدريجية (مجلس التعاون لدول الخليج العربية)، يمكن أن يشكل مدخلاً لإعادة تنظيم المجال الإقليمي على أسس أكثر اتزاناً، من خلال إنتاج قواعد مشتركة، وتعزيز منطق المسؤولية الجماعية، وتخفيف الاعتماد على الترتيبات الظرفية وغير المستقرة.

تعددت المشاريع السياسية إقليمياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وما أنتجته حركات التحرر من الاستعمار من نظم، إلا أنها مجتمعة لم تنتج حتى سردية قدرت على الصمود ناهيك عن دولة وطنية. لذلك يجب عدم استمرار غياب الوكالة الإقليمية (المنظمة الإقليمية) والقادرة على مواجهة التحديات البنيوية إقليمياً ومعالجة حالة السيولة السياسية المفتوحة على التوتر والانكشاف. ومن ثم، فإن الحاجة إلى هذه الوكالة لا تنبع فقط من الرغبة في تحسين التنسيق بين الدول، بل من كونها ضرورة استراتيجية لمستقبل الإقليم نفسه. فهي الإطار الذي يمكن أن يحول دون بقاء الشرق الأوسط أسيراً لمنطق الفراغ (أو استدامة الفراغ السياسي)، ويهيئ شروط الانتقال من التنافس غير المنظم إلى قدر من النظام الإقليمي القادر على إنتاج وفرض الاستقرار بصورة أكثر استدامة.