استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، نظيره الأميركي دونالد ترامب لدى وصوله إلى أنقرة، الثلاثاء، للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي تنعقد يومي الثلاثاء والأربعاء، بواحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الحلف، في الوقت الذي تتصدر جدول الأعمال، ملفات رفع الإنفاق الدفاعي، والدعم العسكري لأوكرانيا.
لكن مع ذلك لا تكتفي قمة أنقرة ببحث مستقبل الصراعات الراهنة فحسب، بل تناقش مستقبل حلف الناتو نفسه. فبين ضغوط أميركية لتقليص الدور العسكري لواشنطن في أوروبا، ومطالب متزايدة بأن تتحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن أمنها، تتجه الأنظار إلى ما بات يُعرف بـ"الناتو 3.0"، وهو تصور دفعت به إدارة ترامب لإعادة هندسة قواعد التحالف الأطلسي، بما يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها "تقاسم الأعباء".
هذا الشكل الجديد للناتو، كان العنوان الأبرز في الصحافة الغربية هذا الأسبوع، إذ وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" قمة أنقرة بأنها تأتي في واحدة من أكثر مراحل الناتو حساسية، إذ يسعى الحلفاء الأوروبين إلى الإبقاء على الرئيس ترامب والولايات المتحدة منخرطين بعمق في الناتو، لكنهم باتوا يدركون في الوقت نفسه أن الحلف يشهد تحولاً جذرياً، وأن أوروبا ستضطر إلى الاعتماد بدرجة أقل بكثير على واشنطن في الدفاع التقليدي عن القارة.
في هذا الصدد، تسعى الحكومات الأوروبية إلى ضمان أن يتم الانتقال نحو "الناتو 3.0" بأكبر قدر ممكن من السلاسة، مع الحرص على سد الفراغات التي سيتركها الانسحاب الأميركي، حتى وإن لم يكن ذلك بصورة كاملة، بما يقلل من هشاشة أوروبا في مواجهة روسيا. في المقابل، يحاول الأمين العام للناتو، مارك روته، السير على خيط دقيق، فهو يدفع الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، مع الحرص في الوقت ذاته على ألا يدفع ذلك ترامب إلى التخلي عن الحلف.
دأب ترامب وإدارته على توجيه انتقادات عنيفة للحلف الدفاعي منذ عودته إلى البيت الأبيض بالولاية الثانية، إذ دائماً ما كرر القول إن "الناتو لم يجلب فائدة كبيرة إلى بلاده، على الرغم من تحملها عبء النفقات الأعلى على الإطلاق بين جميع الدول". في حين كشف مصدر مطلع لرويترز أن واشنطن ستخفض عدد مقاتلاتها المُخصصة للناتو بمقدار الثلث، ليصل إلى 99 طائرة.
إلى ذلك، تضغط الإدارة الأميركية باتجاه ما تصفه بـ"الناتو 3.0"، وهو تصور جديد يقوم على انتقال أوروبا من مرحلة الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها الجماعي، بما يتيح للولايات المتحدة توجيه مواردها العسكرية نحو أولويات استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها مواجهة الصين وتعزيز حضورها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
كما عزز وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من هذا التوجه، حينما أشار قبل أيام إلى أن "حلف الناتو 3.0 يمثل إدراكاً لما بعد الحرب الباردة بأنه يجب أن يعود إلى كونه تحالفاً عسكرياً صارماً يمتلك قدرات عسكرية حقيقية قادرة على الردع في القارة الأوروبية، ويتولى قيادة الدفاع التقليدي عن أوروبا"، مبيناً أن بلاده تعتزم استثمار 1.5 تريليون دولار في ميزانية الدفاع لعام 2027، بيد أن هذه الترسانة "تحمي أميركا ومصالحها في المقام الأول، لكنها في الوقت نفسه تشكل دعامة أساسية لقوة الحلف وحلفائه".
هذا ولطالما حاول الأمين العام للناتو، مارك روته، احتواء الانتقادات الأميركية المتواصلة للحلفاء، ماضياً على نسق إدارة ترامب في التذكير بالمرحلة الجديدة لحلف الأطلسي. وقال في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، إن "حلفاء الولايات المتحدة بدأوا بالفعل في تحمل مسؤولياتهم، وهذا هو "الناتو 3.0" وهو يتحول إلى واقع: أوروبا أقوى داخل ناتو أقوى. وهذا التحول يعزز أمن الجميع، سواء الولايات المتحدة أو حلفاءها".
ذلك وأشار إلى بدء الدول الأعضاء بالفعل تنفيذ الالتزام الذي تم الاتفاق عليه خلال قمة لاهاي العام الماضي، حيث قدموا خططاً للاستثمار بما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي في مجال الدفاع بحلول عام 2035، موضحًا أنه خلال العام الماضي، أنفق حلفاء الولايات المتحدة في الناتو على الدفاع الأساسي ما يزيد بنحو 20% مقارنة بالعام السابق، معتبراً أن "التمويل عنصر أساسي، لكن الدولار أو اليورو وحدهما لا يستطيعان إيقاف صاروخ أو دبابة".
في إطار تفسير التحولات التي يشهدها الحلف، أوضح وزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي، الذي سبق أن تولى حقيبة الدفاع، أن "الناتو 1.0" كان يقوم على مهمة واضحة تتمثل في ردع الاتحاد السوفيتي والتصدي لتمدده، بينما مثل "الناتو 2.0" مرحلة إعادة تعريف دور الحلف بعد انتهاء الحرب الباردة، وخلال تلك المرحلة، وسع الناتو نطاق اهتمامه إلى ما وراء أوروبا وأميركا الشمالية، ولا سيما عقب هجمات 11 سبتمبر، حيث تصدرت مكافحة الإرهاب عملياته العسكرية في أفغانستان والشرق الأوسط.
وأضاف "سيكورسكي" أن روسيا كانت تُعامل آنذاك بوصفها شريكاً محتملاً، أو على الأقل لم يعد تُنظر إليها باعتبارها التهديد الرئيسي، وهو ما دفع عدداً من الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف إلى تقليص قدراتها العسكرية وخفض إنفاقها الدفاعي. غير أن المشهد تبدل جذرياً مع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، وتصاعد النفوذ الصيني، واتجاه الولايات المتحدة إلى إعادة تركيز مواردها العسكرية نحو منطقة آسيا والمحيطين الهندي والهادئ.
أما نائب الأمين العام المساعد السابق لحلف الناتو، وأستاذ الاستراتيجية والأمن بجامعة إكستر البريطانية، جيمي شيا، فشدد على أن الانتقادات الأميركية المتكررة لمستوى مساهمة الحلفاء الأوروبيين في الدفاع الجماعي، واعتمادهم الكبير على القدرات العسكرية الأميركية، تشير بوضوح إلى أن الحلف يتجه نحو نموذج جديد تتحمل فيه أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها، مقابل انحسار تدريجي للدور الأميركي، موضحاً أن "هذا التحول يعني عملياً أن يصبح الناتو في المستقبل تحالفاً تقوده أوروبا بصورة أكبر من حيث التمويل وإدارة القدرات الدفاعية، بعد عقود تصدرت خلالها الولايات المتحدة المشهد العسكري داخل الحلف".
ومع ذلك، شدد "شيا" في تصريحات خاصة لـ"العربية.نت/الحدث.نت"، أن "الدول الأوروبية كانت تخضع بالفعل لضغوط متزايدة لرفع إنفاقها الدفاعي وتحديث قواتها المسلحة لمواجهة تهديدات روسيا، إلا أنها أصبحت مطالبة اليوم أيضاً بسد الفراغ الذي سيخلفه تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، من خلال توفير قوات ومنصات وقدرات إضافية تعوض ما يعتزم البنتاغون سحبه من مهام الناتو"، مرجعاً هذا التوجه الأميركي على خلفية استياء إدارة ترامب مما اعتبرته ضعفاً في دعم الحلفاء الأوروبيين للحرب ضد إيران، ولا سيما بعد رفض كل من المملكة المتحدة وإيطاليا السماح للطائرات الأميركية باستخدام قواعدهما الجوية خلال تلك العمليات.
واعتبر أن "الحديث عن "الناتو 3.0" يحمل في طياته إقراراً أميركياً بأن النموذج السابق للحلف قد استنفد أغراضه، وهو ما يضع أوروبا أمام خيارين، إما التمسك بالصيغة التقليدية للعلاقة عبر الأطلسي، أو استغلال المرحلة الحالية لبناء منظومة دفاع أوروبية أكثر استقلالًا وأقل اعتماداً على الولايات المتحدة". وأوضح أن التحولات الجارية أصبحت واقعاً يصعب التراجع عنه، ولم يعد بإمكان أوروبا بناء أمنها على افتراض استمرار الولايات المتحدة في توفير جميع القدرات العسكرية الحاسمة أو قيادة عمليات الردع ضد روسيا.
وأكد المسؤول السابق بالناتو أن "الهدف الأساسي لإدارة ترامب يتمثل في نقل العبء الأكبر للدفاع إلى أوروبا، مع ضمان استفادة الصناعات الدفاعية الأميركية من الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري الأوروبي، وهو ما بدأ يتحقق بالفعل، إذ أصبحت مشتريات أوروبا من المعدات العسكرية الأميركية توفر مئات الآلاف من فرص العمل داخل الولايات المتحدة".
ورغم هذه التغييرات، شدد "شيا" على أن الولايات المتحدة ستواصل الاحتفاظ بقدرات عسكرية مؤثرة في أوروبا لدعم منظومة الدفاع الجماعي للحلف، إذ إن دفع الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية أكبر عن الدفاع التقليدي لا يعني أن واشنطن بصدد التخلي عن الناتو أو التخلي عن التزاماتها تجاه حلفائها.