يُمثّل قرار سعادة وزير الصناعة والتجارة عبدالله بن عادل فخرو، رقم (23) لسنة 2026 بشأن تصنيف المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى القرارات ذات الصلة، نقلةً نوعيةً، وخطوةً استراتيجيةً متميّزةً، نحو تطوير دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مملكة البحرين، خاصة وأن القرار يُرسّخ فكرة انتقال المملكة من مرحلة تأسيس منظومة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى مرحلة تطويرها وتحديثها بما يتناسب مع المتغيّرات الاقتصادية الحالية، ويتوافق مع المعايير العالمية.

إنّ اهتمام المملكة بتطوير دعم المؤسسات متناهية الصغر والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة يأتي وفقاً للتوجيهات الملكية السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وبتوجيه ومتابعة حثيثة وحكيمة ودعم مشهود من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس التنمية الاقتصادية حفظه الله.

من هذا المنطلق، تبرز جهود الدولة في تطوير قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز تنافسيته، وتوفير البيئة الداعمة والممكنات والبرامج والمبادرات اللازمة لنموه واستدامته. حيث يتبيّن جليّاً أن الهدف من القرار هو تعزيز نتائج الدعم للمؤسسات ذات القيمة المضافة الأعلى وفق معايير حديثة. كما أن تحديث التصنيف يُسهم في رفع مخرجات البرامج والمبادرات الحكومية وتعزيز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني، خاصة وأنه، وفقاً للمعلومات والإحصائيات الرسمية الصادرة عن هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية، يعتبر قطاع المؤسسات متناهية الصغر والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة قطاعاً استراتيجياً مهماً، حيث يمثّل، بحسب التعريف المستحدث، النسبة الأكبر من إجمالي المؤسسات التجارية في مملكة البحرين بنسبة تفوق 99%. كما يُساهم بأكثر من 35% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يُساهم القطاع بما يقارب 11.5% من الصادرات غير النفطية، ويوفر أكثر من 47 ألف فرصة عمل للمواطنين البحرينيين وفق التصنيف السابق، وفقاً للإحصائيات الصادرة حتى شهر ديسمبر من عام 2025. ومن ثم، يُعدّ القطاع أحد أهم محركات النمو الاقتصادي والابتكار وريادة الأعمال، كما أنه يمثّل ركيزةً أساسيةً في تحقيق رؤية البحرين الاقتصادية 2030.

وقبل نحو 9 سنوات صدر القرار رقم (229) لسنة 2017، لكن التطورات الاقتصادية الكبيرة التي شهدتها المملكة، لاسيما ما يتعلق بتطوير منظومة ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بصورة ملحوظة، وظهور مؤسسات بحرينية حقّقت نمواً متسارعاً وإنتاجية أعلى، أبرزت الحاجة إلى مراجعة معايير التصنيف بما يتناسب مع أفضل الممارسات والمعايير الدولية ذات العلاقة، ويعزز مكانة المملكة في خارطة ريادة الأعمال العالمية.

ويمكن ملاحظة الفرق بين القرارين، حيث كان القرار رقم (229) لسنة 2017، قراراً تأسيسياً وضع الإطار الوطني لتصنيف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كما أنه استند إلى واقع السوق في تلك المرحلة، وحدّد سقف المؤسسات المتوسطة عند 100 عامل والإيرادات حتى 3 ملايين دينار.

لذلك، يمثّل القرار رقم (23) لسنة 2026، مرحلة تطوير ونضج للمنظومة للارتقاء بمساهمتها الاقتصادية وتنافسها دولياً، حيث من أهم مميزاته أنه أبقى على نفس منهجية التصنيف (عدد العمالة والإيرادات السنوية)، ورفع الحد الأعلى لعدد العاملين في المؤسسات المتوسطة من 100 إلى 250 عاملاً، وحدّث حدود الإيرادات السنوية من 3 ملايين دينار إلى 20 مليون دينار. وبالتالي تبلغ حدود الإيرادات، للمؤسسات متناهية الصغر، حتى 300 ألف دينار، والمؤسسات الصغيرة، حتى 4 ملايين دينار، والمؤسسات المتوسطة، حتى 20 مليون دينار. كما أنه وسّع قاعدة المؤسسات المشمولة بالتعريف، واستوعب المؤسسات ذات النمو المرتفع والقيمة المضافة الأعلى ضمن القطاع.

من هذا المنطلق، يتبيّن جليّاً أن القرار يمثل استثماراً في مستقبل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كما أنه يعزّز تنافسية البيانات الخاصة بالقطاع على المستوى الإقليمي والدولي، بالإضافة إلى أنه يواكب التحولات الاقتصادية التي شهدتها المملكة خلال السنوات التسع الماضية، خاصة وأنه يعكس التزام الحكومة بتطوير بيئة الأعمال بصورة مستمرة، حيث تظل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة شريكاً أساسياً في تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، فضلاً عن أن نجاح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هو نجاحٌ للاقتصاد الوطني بأكمله.

ولعل من الأمور الواجب التأكيد عليها أن القرار لا يهدف إلى تقليص المزايا أو تقليل الدعم المقدم للمؤسسات، ولكن التركيز على المؤسسات ذات القيمة المضافة الأعلى. كما أنه لا يفرض أعباء أو التزامات إضافية على أصحاب المؤسسات، بل إن الهدف منه هو تحسين مخرجات ونتائج وفعالية منظومة الدعم. وتطوير التصنيف لا يعني إقصاء المؤسسات، بل استيعاب شريحة أوسع منها تحقق الأهداف الاقتصادية الموضوعة.

وإذا تطرّقنا إلى الأثر الإحصائي والاستراتيجي للقرار، فإنه يتضمّن رفع دقة البيانات والمؤشرات الاقتصادية، وتحسين قياس مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني، ودعم اتخاذ القرار المبني على الأدلة، وتمكين البحرين من إجراء مقارنات دولية أكثر دقة، بالإضافة إلى تعزيز كفاءة التخطيط الاقتصادي المستقبلي.

لذلك، لابد من إلقاء الضوء على الإجراءات التي اتخذتها الوزارة بعد صدور القرار، ولعل أبرزها تعميم القرار على أعضاء مجلس تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومطالبة الجهات المعنية بمراعاة القرار عند إعداد البرامج والمبادرات، وتحديث نظام تسجيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك تحديث الموقع الإلكتروني للوزارة، ومراجعة قواعد البيانات الوطنية المرتبطة بالقطاع. كما أعلنت الوزارة أنه جارٍ تحديث مؤشرات الأداء والإحصاءات الرسمية، فضلاً عن أنه جارٍ تحديث المواد التعريفية والتوعوية ذات العلاقة.

وإذا تحدثنا عن قاعدة البيانات الوطنية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، نجد أنها تُعدّ من أبرز المنجزات الاستراتيجية للوزارة، حيث تمكّن من قياس نِسَب هذه المؤسسات من إجمالي المؤسسات التجارية في مملكة البحرين، ومساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي والتصدير. كما أنها تساعد على رصد العديد من الإحصائيات الأخرى المرتبطة بالقطاع، وكذلك أثر البرامج والمبادرات الحكومية على المؤسسات، والتحديات التي تواجه القطاع، وتدعم رسم السياسات الاقتصادية المبنية على البيانات.

لذلك، من المهم التنويه إلى الجهود الاستراتيجية والمتميّزة لمجلس تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة برئاسة وزارة الصناعة والتجارة، حيث يمثّل المظلة الوطنية المعنية بتطوير القطاع، ويهدف إلى تعزيز عملية تأسيس هذه المؤسسات وقدراتها لتحسين الجانب التنافسي في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية. كما يهدف إلى زيادة مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي والتصدير ومستويات توظيف العمالة المحلية «من عمليات التوظيف في القطاع الخاص».

كما أن المجلس قام بتنفيذ 42 مبادرة أسهمت في تنمية هذا القطاع، ومن بينها إنشاء مركز خاص لتعزيز الصادرات الوطنية «صادرات البحرين»، وإطلاق علامة صُنع في البحرين، وتدشين برنامج المشتريات الحكومية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء، وإطلاق نظام تسجيل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عام 2019 تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء، وتأسيس قاعدة بيانات للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.