كانت مدينة القدس، ولاتزال، حاضرة في الوجدان الوطني البحريني، عبر مسار طويل من المبادرات الإنسانية والتنموية التي استهدفت دعم أهلها وتعزيز صمودهم، وليست مجرد مدينة تتصدّر عناوين الأخبار أو قضية موسمية تستدعي بيانات التضامن عند الحاجة.
فمن يتابع ما قدّمته مملكة البحرين على امتداد السنوات الماضية يُدرك أن الاهتمام بالقدس لم يقتصر على المواقف السياسية، بل تُرجم إلى مشاريع واقعية لامست احتياجات الإنسان المقدسي في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والتنمية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن حماية هوية المدينة تكون بمساندة سكانها، وتمكينهم من مواصلة الحياة على أرضهم.
ومن هنا، يمكن قراءة المبادرات البحرينية المتواصلة تجاه القدس باعتبارها امتداداً للرؤية الإنسانية التي يوليها جلالة الملك المعظم، والتي جعلت من العمل الإنساني أحد أبرز وجوه الحضور البحريني على الساحة الدولية. فكل مشروع وشراكة في المدينة المقدسة، تحمل رسالة تتجاوز حدود الدعم المالي، لتؤكد أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأهم، وأن الوقوف إلى جانب المقدسيين في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية يمثل إسهاماً حقيقياً في تعزيز صمودهم، والحفاظ على هوية القدس ورسالتها الحضارية والإنسانية.
وفي هذا السياق، تأتي اتفاقية التعاون التي وقّعتها المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية لدعم مشروع وقف البحرين للتعليم والأيتام في مدرسة دار الطفل العربي للإناث بمدينة القدس، تأكيداً بأن الدعم البحريني يتجه نحو المبادرات المستدامة التي تترك أثراً طويل الأمد. فالوقف بطبيعته ليس استجابة مؤقتة لظرف طارئ، وإنما استثمار في مستقبل الإنسان، يضمن استمرارية التعليم، ويوفر الرعاية للأيتام، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لبناء مستقبلها رغم ما تعيشه المدينة من تحديات.
ولهذا، فليس من قبيل المصادفة أن تكون مملكة البحرين أول دولة تبادر بتنفيذ مشروع وقفي من هذا النوع في القدس، في خطوة تعكس رؤية تنموية تتجاوز الإغاثة التقليدية إلى بناء مقومات الكرامة الإنسانية والاستقرار.
وشخصياً، لا يمكنني النظر إلى هذه الاتفاقية بمعزل عن النهج الذي تبنّته المؤسسة على مدى سنوات، والقائم على توجيه العمل الإنساني نحو المشاريع التي تمسّ حياة الإنسان بصورة مباشرة، وتستثمر في التعليم والرعاية والتنمية المستدامة. كما أن تزامنها مع استمرار متابعة المؤسسة للأوضاع الإنسانية في الأراضي الفلسطينية، ولاسيما الاحتياجات الصحية والإنسانية، يؤكد أن الحضور البحريني في فلسطين يمثّل منظومة متكاملة تجمع بين الإغاثة العاجلة، والدعم التنموي، والشراكات النوعية، بما يجسّد التزاماً راسخاً بمساندة الشعب الفلسطيني في مختلف المجالات.
المبادرات البحرينية المتواصلة تؤكد أن دعم القدس يمثّل نهجاً إنسانياً راسخاً يستثمر في الإنسان، ويعزّز صمود أهل المدينة، ويترجم التزام مملكة البحرين بقيادة جلالة الملك المعظم بمساندة القدس وسكانها، عبر مشاريع تنموية مستدامة تترك أثراً يتجاوز حدود الزمن.