تنعقد قمة الناتو في أنقرة في ظرف غير عادي، وملفات غير قابلة للتأجيل أو التدوير الدبلوماسي. فالحلف يدخل القمة تحت ضغط حرب مفتوحة في أوكرانيا، وتصعيد في مضيق هرمز، وتزايد شكوك الحلفاء أنفسهم في استقرارهم لدور الولايات المتحدة القيادي للحلف. لكن ثمة بعداً آخر لا يقل أهمية عن هذه العناوين جميعاً، فأنقرة نفسها لا تستضيف القمة بوصفها عاصمة عضو محوري في الحلف فقط، بل بوصفها عاصمة ترى أن اللحظة الإقليمية والدولية تتيح لها توسيع دورها، وتحويل موقعها الأطلسي إلى رافعة نفوذ سياسي وأمني أوسع.
العنوان الأول في القمة سيبقى أوكرانيا، ولكن بعيداً عن اللغة التقليدية التي تبالغ في إنتاج الانطباعات. فلا أحد يملك اليوم ترف الحديث عن حسم قريب، أو عن تسوية منظورة. والأكثر واقعية هو أن أوكرانيا وروسيا قد تحتاجان إلى أكثر من عام قبل أن تفرض موازين القوة ميدانيا شروط نهاية الأزمة. وهذا يعني أن ما يناقشه الحلف ليس طريق النصر، بل كيفية إدارة حرب استنزاف طويلة من دون انهيار الإرادة السياسية الأوروبية قبل الأطلسية أو تراجع القدرة على التمويل والتسليح.
أما هرمز، فهو ليس عنواناً ملحقاً بالقمة، بل أحد أكثر الملفات إلحاحاً. فأي تهديد بانهيار الهدنة، يفتح أفق استدامة الأزمة، خصوصاً وأن كل أطرافها يمتلك تعريفه الخاص بالنصر. ومن هنا، فإن إدراجه في قلب النقاشات يعكس إقراراً أطلسياً بأن أمن أوروبا لم يعد يبدأ وينتهي عند حدودها، بل حدود مصالحها.
لكن قمة أنقرة تكتسب بعداً إضافياً، يتعلق بتركيا نفسها. فأنقرة لا تريد أن تكون مجرد منصة استضافة، بل تسعى إلى تثبيت صورة الدولة التي استعادت وزنها الإقليمي، وباتت قادرة على الجمع بين العضوية الأطلسية والحضور المستقل في خرائط الأزمات. هذا الطموح التركي يتغذى على ما تعتبره القيادة التركية نجاحاً في إدارة التوافق الإقليمي في سوريا، وعلى محاولة توسيع هذا الزخم نحو ليبيا، حيث تريد أنقرة أن تكرس نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في ترتيبات المتوسط وشمال أفريقيا. ولذلك، فإن استضافة القمة تمنحها منصة فريدة خصوصاً وأن الرئيس ترمب بات أكثر ترحيباً بعودة تركيا لبرنامج المقاتلة F-35 وكذلك تزويدها بمحركات لمقاتلتها الوطنية TAI Kaan. في رسالة مفادها بأن تركيا ليست فقط جناحه الجنوبي الشرقي، بل مركز توازن إقليمي يملك قنواته وأدواته وحساباته الخاصة.
هذا الطموح التركي يتقاطع مع تحول أوسع داخل الحلف. فأوروبا وكندا تميلان أكثر فأكثر إلى مقاربات دفاعية تخفف الاعتماد الكامل على الصناعات العسكرية الأمريكية. من غلوبال آي السويدية إلى المنظومات الأوروبية الأخرى، مروراً بتوقيع كندا عقد شراء غواصات ألمانية، حيث يتشكل مسار هادئ، لكنه واضح لإعادة توزيع الأوزان داخل المنظومة الأطلسية. ولا يعد ذلك تمرداً على واشنطن، بل استعداداً لمرحلة أقل يقيناً في العلاقة معها.
وهنا يحضر دونالد ترمب بوصفه عاملاً ضاغطاً على كل الحسابات. فالرجل ينظر إلى القوة العسكرية كجزء من تعريف أمريكا لنفسها، لا كوسيلة ضمن وسائل السياسة فقط. العودة إلى الحرب، أو إلى حافة الحرب، قد تبدو في منطقة استعادة للهوية الأمريكية المسلحة، بما تحمله من نزعة فرض وردع وإملاء. وهذا بالضبط ما يدفع الحلفاء إلى بناء هوامشهم الخاصة قبل أن يجدوا أنفسهم أمام قيادة أمريكية أكثر تقلباً وأقل التزاماً بالقواعد التقليدية للشراكة.
لهذا، لا هوامش فعلاً في قمة أنقرة. فأوكرانيا عنوان المأزق المفتوح، وهرمز عنوان القلق العالمي، والطموح التركي عنوان إعادة التموضع الإقليمي، فيما يكشف الحلف من داخله ميلاً متزايداً إلى إعادة ترتيب موازين الثقة والاعتماد. فهي قمة لا تختبر فقط قوة الناتو في مواجهة خصومه، بل تختبر أيضاً شكل الناتو نفسه في عالم يتغير بسرعة.