في زمن تتسابق فيه الدول نحو الذكاء الاصطناعي، قد يبدو أن التفوق يصنعه حجم الاستثمار في المنصات والخوارزميات ومراكز البيانات. غير أن الحقيقة الأعمق أن التقنية، مهما بلغت قوتها، لا تصنع أثرها بذاتها؛ بل يصنعه الإنسان القادر على فهمها، وتشغيلها، وتطويرها، وحوكمتها، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية ومؤسسية. فالمستقبل لا يُبنى بالخوادم وحدها، بل بالعقول التي تعرف كيف تديرها.

ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة البحرين في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي جديرة بالقراءة، لأنها لا تقوم على الاستثمار في التقنية بمعزل عن الإنسان، بل على مسار متدرج يجمع بين البنية الرقمية، وتطوير الخدمات الحكومية، وبناء المهارات، وتعزيز الحوكمة. وهذا ما يجعل التحول الرقمي مشروعاً وطنياً تنموياً، لا مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة.

لقد حققت البحرين خلال الأعوام الأخيرة مؤشرات متقدمة تؤكد قوة بنيتها الرقمية. ففي عام 2024 جاءت المملكة في المركز الخامس عالمياً والثالث عربيًا في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ثم سجلت في عام 2025 درجة بلغت 97.5 في المؤشر ذاته. وفي أحدث إنجاز رقمي أُعلن عنه في مطلع يوليو 2026، حلت البحرين في المركز السادس عالمياً من بين 159 دولة في مؤشر تنمية تقنية المعلومات والاتصالات لعام 2026، بنتيجة إجمالية بلغت 98%، مع تسجيل 99.1 نقطة في ركيزة الاتصال الشامل، و97 نقطة في ركيزة الاتصال الهادف، إلى جانب تحقيق الدرجة الكاملة في أربعة مؤشرات رئيسية. غير أن قيمة هذه الأرقام لا تكمن في الترتيب وحده، بل فيما تعكسه من جاهزية رقمية قادرة على دعم الاقتصاد والتعليم والخدمات الحكومية وسوق العمل.

وفي الاتجاه ذاته، أطلقت البحرين في عام 2025 السياسة الوطنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، واعتمدت الدليل الخليجي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس انتقالاً نوعياً من مجرد تبني التقنية إلى بناء إطار منظم لاستخدامها. فهذه السياسة لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقنية فقط، بل باعتباره منظومة مؤسسية تحتاج إلى ضوابط واضحة تحمي البيانات، وتعزز الشفافية، وتدعم عدالة المخرجات، وتحافظ على دور الإنسان في الرقابة واتخاذ القرار. وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من مسار الحوكمة الرشيدة.

وتبرز مبادرة تمكين، التي أُطلقت في 9 أبريل 2025 لتدريب 50 ألف بحريني في مهارات الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، كإحدى أهم الخطوات في هذا المسار، لما تحمله من رسالة واضحة بأن رأس المال البشري هو البنية التحتية الحقيقية للاقتصاد الرقمي. فالذكاء الاصطناعي لن يحقق أثره بمجرد وجود الأدوات، بل بوجود موظف قادر على توظيفها، وقائد قادر على قراءة مخاطرها، ومؤسسة قادرة على تحويلها إلى إنتاجية وخدمة أفضل.

كما أن تحسين وإعادة هندسة 88 خدمة حكومية عبر 18 جهة خلال الفترة من 15 يناير إلى 24 يونيو 2026 يعكس تحولًا عمليًا من رقمنة الإجراءات إلى إعادة تصميم الخدمات. وهذا فارق مهم؛ لأن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني أن نضع الإجراء القديم في منصة إلكترونية، بل أن نعيد بناء الخدمة حول احتياجات المستفيد، واختصار الوقت، وتقليل الجهد، ورفع جودة التجربة.

ويضاف إلى ذلك البيان المشترك الذي وقعته البحرين والولايات المتحدة في 25 يونيو 2026 بشأن شراكة فرص الذكاء الاصطناعي، بما يحمله من دلالات على أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من التنافسية الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية، وليس ملفاً تقنياً داخلياً فقط.

ومع أهمية ما تحقق، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تركيز أكبر على قياس الأثر، وربط التدريب باحتياجات سوق العمل، وتحديث الأوصاف الوظيفية لتشمل مهارات البيانات والذكاء الاصطناعي، وتعزيز جودة البيانات وتكاملها بين الجهات، وترسيخ مؤشرات عملية لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

فالذكاء الاصطناعي قد يكون محرك المرحلة المقبلة، لكن الإنسان سيبقى هو السائق الحقيقي لهذا التحول. ومن يدرك هذه المعادلة مبكراً، لن يكتفي باستخدام أدوات المستقبل، بل سيشارك في صناعته.