أيمن شكل


لم يكن يتخيل أن تقوده نصيحة عائلية عابرة إلى مهنة ستصبح رحلة عمر تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في عالم الطيران. فالشاب الذي بدأ حياته الأكاديمية بدراسة الهندسة، وكان يطمح إلى أن يصبح أستاذاً جامعياً، وجد نفسه بعد نصيحة من شقيقه الأكبر يتخذ قراراً غيّر مسار حياته بالكامل، لينطلق في رحلة مهنية بدأت من قمرة القيادة، وتدرج خلالها حتى أصبح الرئيس التنفيذي لقطاع العمليات التشغيلية في الناقلة الوطنية «طيران الخليج»، وقائداً لأحد أكثر القطاعات حساسية وتعقيداً في صناعة الطيران.

وفي هذا الحوار مع «الوطن»، يفتح قاسم إسماعيل صفحات من سيرته الشخصية والمهنية، مستعيداً ذكريات الطفولة في فريج البوعينين بالقضيبية، ومحطات الدراسة والتفوق، وقصة التحول من الهندسة إلى الطيران، وأولى رحلاته في السماء، وصولاً إلى قيادة العمليات التشغيلية في «طيران الخليج».

كما يتحدث عن تجاربه في إدارة الأزمات، من جائحة كورونا إلى إغلاق الأجواء، والدروس التي صاغت شخصيته القيادية، مؤكداً أن النجاح يبدأ بالإيمان بالله، ويترسخ بالانضباط والعمل الجماعي، وأن القيادة ليست منصباً، بل مسؤولية وحضور في الميدان.

كيف كانت البدايات؟

- ولدت ونشأت في القضيبية بالمنامة، وتحديداً في فريج البوعينين، وأستطيع القول إنني عشت طفولة سعيدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كنا نقضي أوقاتنا بين الفريج والملعب والنادي والمسجد، وكانت الحياة بسيطة، لكنها غنية بالقيم والعلاقات الإنسانية.

مارست الرياضة منذ الصغر، ولعبت في نادي الوحدة، لكن الرياضة لم تكن يوماً على حساب الدراسة. تعلمت من إخوتي أن التفوق واللعب ليسا أمرين متعارضين، بل يمكن الجمع بينهما إذا وجدت الإرادة والانضباط.

حدثنا عن العائلة؟

- نشأت في عائلة كبيرة مكونة من ستة أولاد وست بنات، وكنت أصغر الأبناء الذكور، وقبل الأخير بشقيقة واحدة. وكان لتماسك الأسرة أثر كبير في تكوين شخصيتنا جميعاً.

لم تكن العائلة تقتصر على أفراد البيت فقط، بل كانت تمتد إلى أهل الفريج جميعاً. كانت بيوت الجيران مفتوحة لبعضها البعض، وكان مسجد البوعينين والملعب يشكلان مركز الحياة الاجتماعية اليومية.

ماذا تعلمت من الوالد؟

- كان والدي من أوائل العاملين في شركة بابكو، وكان رجلاً منضبطاً بصورة لافتة. يبدأ يومه في الثالثة صباحاً، فيقرأ القرآن الكريم، ويحرص على الأذكار والقراءة قبل أن يتوجه إلى عمله في السادسة صباحاً.

ورغم انشغاله بالعمل، كان يخصص وقتاً لنا يومياً. نجتمع معه بعد صلاة المغرب، فيحدثنا ويقص علينا القصص، ويشاركنا ما تعلمه. ومنه تعلمت قيمة الانضباط والاستيقاظ المبكر والقراءة، وهي عادات ما زالت ترافقني حتى اليوم.

وماذا عن الوالدة؟

- كانت ربة منزل، لكنها كانت مدرسة متكاملة في الصبر والعطاء. استطاعت أن تدير أسرة كبيرة في ظروف لم تكن دائماً سهلة، وأن تزرع في أبنائها الالتزام والتفوق والتماسك.

أما إخوتي، فقد كان لكل واحد منهم أثره الخاص في حياتي. أخي الأكبر محمد كان صاحب شخصية قيادية، وتعلمنا منه الكثير، بينما تعلمت من أشقائي عبدالله وأحمد وإسماعيل الكثير بحكم تفوقهم العلمي والمهني. أما إبراهيم، فكان أخي وصديقي الأقرب، وشاركته معظم مراحل الطفولة والدراسة لقرب السن بيننا.

ما الذي تتذكره من أيام الفريج؟

- أجمل ما أتذكره هو روح الترابط بين الناس. كان الكبار يجلسون للحديث ولعب الدامة، وكنا نجلس معهم نستمع إلى قصص الماضي والأشعار الشعبية.

وأتذكر موقفاً طريفاً مع أحد جيراننا، المرحوم أنور البوعركي، الذي كان يراني باستمرار في الملعب حتى خلال فترة الامتحانات النهائية. فذهب إلى أخي أحمد وقال له: «أنا خايف على قاسم، دائماً أشوفه في الملعب وما أشوفه يدرس».

وعندما حصلت على شهادة التفوق ذهبت إليه وأريته النتائج، فنظر إليها ثم قال ضاحكاً: «إما أنك عبقري أو مزور».

ولا يزال هذا الموقف يختصر طبيعة العلاقات في ذلك الزمن؛ كانت علاقة قائمة على المحبة والاهتمام والنصيحة الصادقة.

كيف كانت الدراسة؟

- بدأت الدراسة في مدرسة المتنبي، وكانت مديرة المدرسة الأستاذة موزة القحطاني حريصة على التميز العلمي والانضباط.

والطريف أنها لم تكن مقتنعة بأنني من الطلبة المتفوقين، لأنها كانت تراني كثير الحركة والاهتمام بالرياضة. وعندما تم تكريمي ضمن الطلبة المتفوقين في نهاية العام قالت لي مازحة: "إنت من المتفوقين؟”

وفي المرحلة الثانوية بدأت تظهر ميولي الأدبية بصورة أوضح. ففي أحد اختبارات التعبير استدعى معلم اللغة العربية ومعه عدد من المدرسين، وسألوني إن كنت فعلاً من كتب موضوع التعبير بنفسي. وعندما أكدت لهم ذلك طلبوا مني كتابة موضوع آخر أمامهم للتأكد.

بعدها أخبروني أن لدي موهبة أدبية، وأن أسلوبي اللغوي يفوق ما يتوقعونه في هذا العمر.

هل كنت مولعاً بالقراءة؟

- نعم، كنت أستمتع كثيراً بالقراءة، وخصوصاً الأدب والشعر والتاريخ. كنت أقضي وقتاً في المكتبة العامة بالمنامة، كما استفدت كثيراً من مكتبة بيتنا المنزلية.

من الكتب التي ما زلت أذكرها حتى اليوم: «العبرات» و«النظرات» للمنفلوطي، وكتب الجاحظ وعلي الطنطاوي، وغازي القصيبي، والمعلقات، وكتب التاريخ والتفسير.

وأعتقد أن القراءة ساعدتني على الجمع بين أمور قد تبدو متناقضة؛ فقد كنت أحب الرياضة، وأحب الأدب، وأستمتع بالرياضيات والفيزياء في الوقت نفسه.

هل كتبت الشعر؟

- كنت أحب الشعر وأستمتع به، لكنني لم أكتب الشعر بالمعنى الحقيقي.

كتبت بعض المقالات الصحفية والأدبية، وشجعني في تلك الفترة الأستاذ الفاضل عبدالرحمن فلاح حفظه الله، لكنني كنت أرى نفسي أقرب إلى القراءة والتذوق الأدبي من نظم الشعر.

ماذا حدث بعد الثانوية؟

- كنت حريصاً على التفوق؛ لأنني كنت أحلم بالتكريم في عيد العلم مثل إخوتي الذين سبقوني. وبالفعل تحقق ذلك، وحصلت على بعثة لدراسة الهندسة في جامعة البحرين.

لكن بعد نحو سنة ونصف تقريباً من دراسة الهندسة في جامعة البحرين، حدثت نقطة التحول التي غيرت مسار حياتي بالكامل، وذلك حين صادفت إعلاناً للالتحاق ببرنامج دراسة الطيران في عام 1993.

في ذلك الوقت لم يكن القرار سهلاً، فقد كنت أميل إلى الحياة الأكاديمية، وأفكر جدياً في أن أصبح أستاذاً جامعياً بعد التخرج.

لكن أخي الأكبر محمد، الذي كان يعمل في قطاع الطيران، ويتمتع بخبرة إدارية واسعة، كان له رأي مختلف. أتذكر أنه قال لي بحزم: روح البعثة وادرس الطيران، وبعد ما ترجع قرر إذا كنت تحبه أو لا. لا يجوز أن ترفض شيئاً لم تجربه.

كانت نصيحة غيرت مسار حياتي بالكامل. وبعد سنوات طويلة عدت إليه وقلت: هذه من أكبر الخدمات التي قدمتها لي في حياتي، لأنني وجدت نفسي في هذه المهنة.

كيف كانت بداية رحلة الطيران؟

- في ذلك الوقت كان عدد الطيارين البحرينيين والخليجيين في الشركة محدوداً، وكانت المنافسة على الابتعاث قوية. خضعنا لسلسلة من الاختبارات التحريرية والنظرية واختبارات القدرات.

أذكر أن أحد الاختبارات كان يقيس القدرة على التعامل مع مواقف الطيران عبر الحاسب الآلي، ووجدته صعباً في البداية، لكنني تمكنت من اجتيازه بحمد الله.

وفي المقابلة الشخصية أخبروني أنني متفوق في جميع الاختبارات على أنني بحاجة إلى تحسين لغتي الإنجليزية بحكم أنني درست في مدرسة حكومية، لكنني أوضحت لهم أنني أدرس الهندسة باللغة الإنجليزية في جامعة البحرين.

وبعد نقاش واختبارات إضافية وأمام إصراري تم قبولي في اليوم نفسه، وأبلغوني أن أمامي ثلاثة أيام فقط لإنهاء الإجراءات واستلام الزي الرسمي والسفر لبدء الدراسة.

خلال أيام قليلة وجدت نفسي على مشارف رحلة جديدة لم أكن أتخيل أنها ستستمر أكثر من ثلاثة عقود.

كيف كانت الدراسة في بريطانيا؟

- درسنا في واحدة من أفضل كليات الطيران المتخصصة في بريطانيا والعالم، وكان معنا طلبة من شركات طيران عالمية كبرى، من بينها الخطوط الجوية البريطانية وغيرها من كبريات الشركات.

البداية لم تكن سهلة. الانتقال إلى بلد جديد ونظام دراسة مختلف وضغط أكاديمي كبير كان تحدياً حقيقياً. لكن بعد الأسابيع الأولى بدأت أتأقلم مع البيئة الجديدة وأستمتع بالتجربة.

كانت فترة الدراسة تجمع بين الجدية والانضباط من جهة، والحياة الاجتماعية والرياضة من جهة أخرى. وبحكم حبي للرياضة منذ الصغر، عدت إلى الملاعب من جديد وكونت صداقات ما زال بعضها مستمراً حتى اليوم.

وماذا عن التدريب العملي على الطيران؟

- من أكثر الشخصيات التي أثرت في تلك المرحلة أحد المدربين البريطانيين، وكان طياراً حربياً سابقاً وعضواً في فريق "ريد آروز” الشهير للاستعراضات الجوية.

كان يتمتع بجرأة كبيرة وثقة عالية في شخصي المتواضع. وأتذكر أنه قال لي ذات يوم: قاسم، أعتقد أنك جاهز للطيران منفرداً.

ثم أضاف ضاحكاً بطريقته البريطانية الساخرة: «إذا كنت خائفاً فستموت وحدك».

فأجبته ضاحكاً: «إذا مت، فسأموت معك، وليس وحدي».

وبعدها قمت بأول رحلة طيران منفردة في حياتي. كانت لحظة لا يمكن أن ينساها أي طيار، لأنها المرة الأولى التي يجد نفسه فيها وحيداً في قمرة القيادة، مسؤولاً عن كل قرار وكل حركة.

ماذا كنت تفعل خارج أوقات الدراسة؟

- رغم ضغط الدراسة والطيران، كانت لنا حياة جميلة في اسكتلندا. كنا نستغل الإجازات في ممارسة هوايتي في القراءة وكذلك في التجول في أنحاء بريطانيا.

ننطلق بالسيارة من بريستويك القريبة من غلاسكو إلى إدنبرة، وأحياناً إلى مانشستر أو ليفربول أو لندن. كما حضرت بعض المباريات الكروية، وشاهدت عن قرب شغف الجمهور الإنجليزي وتعصبه لكرة القدم.

كانت تلك الفترة فرصة للتعلم واكتشاف العالم وبناء الشخصية، بجانب دراسة الطيران.

كيف تتذكر التخرج والعودة إلى الخليج؟

- تخرجت في منتصف عام 1994 ضمن مجموعة من الطيارين من البحرين والإمارات وقطر وسلطنة عمان. ورغم اختلاف الجنسيات، كنا نشعر أننا ننتمي إلى عائلة واحدة اسمها طيران الخليج. وكانت العلاقات التي نشأت بيننا في تلك الفترة قوية لدرجة أن كثيراً منها استمر حتى اليوم.

كما كنت محظوظاً بالاحتكاك بمجموعة من رواد الطيران في البحرين والخليج، ممن تعلمنا منهم الكثير، واستفدنا من خبراتهم المهنية والإنسانية.

ما أول طائرة عملت عليها؟

- كانت البداية على طائرة الإيرباص A320. بعد التخرج خضعت لتدريب مكثف على جهاز المحاكاة في قطر لمدة قاربت الشهرين، تعلمنا خلالها مختلف الأنظمة والإجراءات والسيناريوهات المحتملة.

بعدها حصلت على التأهيل المطلوب للعمل كمساعد طيار، وبدأت مرحلة جديدة تختلف تماماً عن مقاعد الدراسة.

كيف كانت أول رحلة لك كقائد للطائرة؟

- كانت أول رحلة لي كقائد من البحرين إلى شيراز في إيران، وهو مطار معروف بتضاريسه الجبلية وصعوبة بعض إجراءات الاقتراب إليه.

وكان يرافقني مساعد طيار يتمتع بخبرة كبيرة، ويكبرني في السن. وعندما سألته إن كان قد زار شيراز من قبل، أجابني ضاحكاً: رحتها قبل ما تولد.

فشعرت بالحرج، وأدركت أنني خانني التعبير. ورغم أنني كنت قائد الرحلة، حرصت منذ البداية على الاستفادة من خبرته وإشعاره بقيمته المهنية مع الحرص على أن أكون المبادر. ناقشت معه تفاصيل الرحلة والإجراءات، واستفدت من ملاحظاته.

وأعتقد أن هذا الموقف علمني درساً مهماً في القيادة أن الاحترام لا ينتقص من السلطة، بل يعززها.

ما أصعب القرارات التي يواجهها الطيار؟

-هناك قرارات يجب أن تتخذ خلال ثوانٍ معدودة، مثل تعطل أحد المحركات أثناء الإقلاع، أو حالات الطوارئ كالحريق وهي مواقف يتدرب عليها الطيار عشرات المرات، حتى تصبح ردود الفعل فيها شبه تلقائية.

وهناك قرارات أخرى تحتاج إلى تقييم وتحليل وموازنة بين الخيارات المختلفة، مثل اختيار مطار بديل أو التعامل مع ظروف جوية معقدة أو تقييم حالة طبية على متن الطائرة.

وأتذكر حالة لراكبة تعرضت لأزمة قلبية أثناء إحدى الرحلات. وبعد تقييم الخيارات قررنا الهبوط في أقرب مطار تتوافر بالقرب منه مستشفيات متخصصة.

وبعد وصولها أبلغنا الأطباء أن فارق عشر دقائق فقط كان كفيلاً بأن يغير النتيجة بالكامل، وأن ينقذ حياة المسافر. مثل هذه المواقف تذكر الطيار دائماً بأن بعض قراراته لا تتعلق بالطائرة فقط، بل بحياة الناس أيضاً.

بعد أكثر من ثلاثة عقود في الطيران، ما الذي تغير؟

- قد تتغير الطائرات والتقنيات والأنظمة، لكن شيئاً واحداً لا يتغير: التعلم المستمر.

فالطيار لا يتوقف عن التدريب مهما بلغت خبرته. وحتى اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين عاماً في الطيران، ما زلت أخضع لاختبارات دورية وتدريبات منتظمة على أجهزة المحاكاة مثل أي طيار آخر.

فالطيران مهنة لا تسمح بالاعتماد على الخبرة الماضية فقط، بل تتطلب أن تكون جاهزاً دائماً للتعلم والتطور ومواجهة كل سيناريو محتمل.

وكيف بدأت رحلتك مع الإدارة والقيادة التشغيلية؟

- بعد سنوات طويلة في قمرة القيادة، سنحت لي الفرصة للانتقال إلى العمل الإداري والتشغيلي. وكان ذلك تحولاً مهماً في مسيرتي المهنية، لأنني انتقلت من مسؤولية قيادة رحلة واحدة إلى مسؤولية الإشراف على منظومة تشغيلية متكاملة تضم مئات الرحلات وآلاف المسافرين يومياً.ومنذ انضمامي إلى فريق إدارة العمليات قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، كنت أستشعر أن المسؤولية لم تعد تقتصر على تشغيل الرحلات فقط، بل أصبحت مسؤولية تتعلق بحماية سمعة البحرين، والحفاظ على مكانة الناقلة الوطنية، وضمان استمرار ربط المملكة بالعالم في مختلف الظروف.

ما الأولويات التي وضعتموها في إدارة العمليات؟

- منذ البداية وضعنا أربع أولويات رئيسية كانت تمثل الأساس الذي نبني عليه جميع قراراتنا.

الأولوية الأولى كانت السلامة الجوية، وهي بالنسبة لنا ليست مجرد متطلب تشغيلي أو تنظيمي، بل الأساس الذي يقوم عليه كل شيء. فلا يمكن الحديث عن نجاح أو نمو أو كفاءة إذا لم تكن السلامة في مقدمة الأولويات.

أما الأولوية الثانية، فكانت الالتزام بالمعايير والقوانين الدولية، فقطاع الطيران يعد من أكثر القطاعات تنظيماً في العالم، وتخضع عملياته لمنظومة واسعة من القوانين واللوائح والمتطلبات الرقابية. لذلك كان من الضروري أن نعمل وفق أعلى معايير الالتزام التنظيمي.

وجاءت الكفاءة التشغيلية في المرتبة الثالثة، سواء فيما يتعلق بالالتزام بالمواعيد، أو إدارة الموارد، أو رفع الإنتاجية، أو تحقيق أفضل استفادة ممكنة من الأسطول والموارد البشرية. أما الأولوية الرابعة فكانت خدمة العملاء وتجربة المسافر.

ما المهارات التي يتطلبها العمل في إدارة العمليات؟

- إدارة العمليات في قطاع الطيران من أكثر المجالات تعقيداً، لأنها تجمع بين عدد كبير من التخصصات المختلفة.

فمن يعمل في هذا المجال يحتاج إلى فهم عميق لعلوم الطيران، وأنظمة الطائرات، والملاحة الجوية، والأرصاد الجوية، والسلامة، والتشريعات، والتخطيط، وإدارة الأزمات، وإدارة الموارد البشرية، واتخاذ القرار.

كما يحتاج إلى القدرة على التفكير الاستباقي ووضع سيناريوهات مختلفة للتعامل مع أي ظرف محتمل، لأن جزءاً كبيراً من النجاح التشغيلي يعتمد على الاستعداد المسبق للأحداث قبل وقوعها.

كيف تنظر إلى دور طيران الخليج في خدمة البحرين؟

- كلما تقدمت في مسيرتي المهنية ازداد اقتناعي بأن طيران الخليج ليست مجرد شركة طيران.

كثير من الناس يرون الطائرة عندما تقلع أو تهبط، لكنهم لا يرون أثرها في الاقتصاد والسياحة والتجارة والاستثمار.

عندما ترى الفنادق تستقبل زوارها، والأسواق مليئة بالبضائع القادمة من مختلف أنحاء العالم، وحركة الأعمال والسياحة مستمرة، تدرك أن هناك منظومة كبيرة تعمل في الخلفية للمحافظة على هذا الترابط.

وكنت أشعر دائماً بالفخر لأن "طيران الخليج" كانت وما زالت إحدى أهم أدوات ربط البحرين بالعالم.

هل كان الطيران بالنسبة لك مجرد مهنة؟

- لا أعتقد أنني نظرت إليه يوماً بهذه الطريقة. منذ بداياتي كنت أشعر أنني أنتمي إلى شيء أكبر من مجرد وظيفة. كنت أشعر أنني أمثل البحرين أينما ذهبت.

في تلك المرحلة كانت "طيران الخليج" تخدم أكثر من دولة خليجية، وكان هناك شعور بالهوية الخليجية المشتركة، لكن البحرين كانت دائماً القلب الذي تنطلق منه الرحلة.

وعندما أصبحت "طيران الخليج" ناقلاً وطنياً مملوكاً بالكامل لمملكة البحرين، أصبح هذا الشعور أكثر عمقاً ووضوحاً.

ما الذي عزز هذا الشعور مع مرور الوقت؟

- أشياء كثيرة. أهمها أنني أدركت أن كثيراً من الناس حول العالم تعرفوا على البحرين من خلال طيران الخليج.

فالناقلة الوطنية لا تنقل المسافرين فقط، بل تنقل صورة البلد وثقافته وقيمه.

كما أن الرحلات الطبية والإنسانية التي نفذناها بالتعاون مع الهيئة الخيرية الملكية إلى الدول المتضررة تركت أثراً خاصاً في نفسي. ففي تلك الرحلات لم نكن ننقل مساعدات فقط، بل كنا نحمل رسالة البحرين الإنسانية إلى العالم.

ما أصعب التحديات التشغيلية التي واجهتموها قبل الأزمات الكبرى؟

- من أكثر التحديات تكراراً حالات إغلاق مطار البحرين الدولي؛ بسبب الضباب أو الأحوال الجوية. قد يعتقد البعض أن الأمر يقتصر على تأخير بعض الرحلات، لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

فشركة طيران الخليج تعتمد بدرجة كبيرة على حركة الترانزيت، ما يعني أن تأخر رحلة واحدة قد يؤثر على سلسلة طويلة من الرحلات الأخرى، وعلى آلاف المسافرين.

كيف كنتم تتعاملون مع هذه الحالات؟

- تعلمنا مبكراً أن إدارة الأزمات لا تبدأ عند وقوع الأزمة. بعد كل حالة إغلاق أو اضطراب كنا نجتمع لمراجعة كل التفاصيل. ماذا حدث؟ وما الذي نجح؟ وما الذي يمكن تحسينه؟

ومن خلال هذه المراجعات المتواصلة بنينا خبرة تراكمية كبيرة، وطورنا خططاً وسيناريوهات متعددة للتعامل مع مختلف الاحتمالات.

كنا نسأل أنفسنا دائماً:ماذا لو أغلقت الأجواء؟ماذا لو تعطلت الأنظمة؟ماذا لو تعذر الوصول إلى مقر الشركة؟ماذا لو حدثت أزمة إقليمية؟وكان لكل احتمال خطة واضحة وإجراءات جاهزة.

وهل أثبتت هذه الخطط فعاليتها؟

- نعم، وبشكل واضح. فأكبر الأزمات التي واجهناها لاحقاً أثبتت أن الاستثمار في التخطيط والاستعداد لم يكن جهداً نظرياً، بل كان عاملاً حاسماً في نجاحنا في التعامل مع الأحداث غير المتوقعة.

وقد أدركنا مع مرور الوقت أن النجاح في إدارة العمليات لا يقاس فقط بما يحدث في الأيام العادية، بل بالقدرة على المحافظة على استمرارية العمل عندما تواجه المؤسسة أصعب الظروف.

بعد كل هذه السنوات، كيف تنظر إلى علاقتك بـ"طيران الخليج"؟

- أشعر بالفخر والامتنان. فـ"طيران الخليج" لم تكن مجرد محطة مهنية في حياتي، بل كانت مدرسة تعلمت فيها القيادة والعمل الجماعي وإدارة الأزمات وتحمل المسؤولية.

كما أنها منحتني فرصة التعرف إلى نخبة من الزملاء والأصدقاء الذين شاركتهم أجمل اللحظات وأصعب التحديات على مدى سنوات طويلة.والأهم من ذلك كله أنها منحتني فرصة خدمة البحرين من موقع أحبه وأؤمن برسالته.

ولذلك أقول دائماً إنني كما كنت أحمل اسم البحرين في رحلتي، كانت البحرين أيضاً تحملني طوال هذه الرحلة.

هل كانت هناك أزمة شعرت خلالها أن القيادة لا تمارس من المكتب، بل من الميدان؟

- بلا شك كانت جائحة كورونا من أصعب الفترات التي مررنا بها.

لم تكن أزمة تخص البحرين أو قطاع الطيران فقط، بل كانت أزمة عالمية أربكت الجميع، وغيرت طريقة عمل المؤسسات والحكومات وشركات الطيران في مختلف أنحاء العالم.

ورغم أن الحركة الجوية تقلصت بصورة كبيرة بسبب القيود والإغلاقات، فإن طيران الخليج لم تتوقف عن أداء دورها الوطني.

كان التحدي يتغير يومياً. فالقوانين والتعليمات كانت تتبدل باستمرار من دولة إلى أخرى، ومن مطار إلى آخر، وكان علينا أن نتابع هذه التغيرات لحظة بلحظة، وأن نتخذ قرارات سريعة تحافظ على سلامة المسافرين والطاقم واستمرارية العمليات في الوقت نفسه.

ما أبرز المبادرات التي قمتم بها خلال تلك الفترة؟

- من أهم المبادرات التي نفذناها تحويل عدد من طائرات الركاب لاستخدامها في نقل المعدات الطبية والأدوية.

قد يبدو الأمر بسيطاً من الخارج، لكنه في الحقيقة كان مشروعاً متكاملاً تطلب موافقات تنظيمية وفنية عديدة، إضافة إلى إجراءات خاصة بالسلامة وتحميل الشحنات داخل المقصورة وحماية الطائرة.

وبفضل جهود فرق العمل المختلفة تمكنا من تهيئة الطائرات وفق المعايير الدولية، ونفذنا مئات الرحلات لنقل الأدوية والمعدات الطبية خلال تلك الفترة الاستثنائية.

ما أكثر موقف بقي عالقاً في ذاكرتك خلال الجائحة؟

- في بداية الأزمة كان الخوف أمراً طبيعياً. الجميع كان يواجه عدواً مجهولاً، وبعض أفراد الطاقم كانوا مترددين في تنفيذ بعض الرحلات إلى المناطق الأكثر تأثراً بالوباء.

وكنت أؤمن أن القيادة في مثل هذه الظروف لا تكون بالتوجيه من بعيد، بل بالحضور في الميدان.

أتذكر إحدى الرحلات الأولى إلى الصين. وبعد الهبوط قمت بتبديل ملابسي، وارتديت الملابس الواقية، ثم نزلت مع أفراد الطاقم والعمال للمشاركة في تحميل الصناديق والمعدات الطبية إلى داخل الطائرة.

لم أفعل ذلك بحثاً عن صورة أو تقدير، بل لأنني كنت مؤمناً بأن من يطلب من الآخرين مواجهة التحديات يجب أن يكون أول من يواجهها.وقد تم تصوير ذلك الموقف وعرضه لاحقاً من قبل أحد أفراد الطاقم، وكانت الرسالة واضحة: الإدارة ليست في برج عاجي، بل موجودة مع فريقها في الميدان.

ماذا تعلمت من تلك التجربة؟

- تعلمت أن الناس لا يتبعون المناصب بقدر ما يتبعون القدوة. وتعلمت أن أصعب الأزمات تكشف أجمل ما في فرق العمل عندما يشعر الجميع أنهم يعملون لهدف واحد.

وأشعر بالفخر اليوم بأن طيران الخليج استطاعت أن تؤدي دورها الوطني والإنساني خلال واحدة من أصعب الأزمات التي شهدها العالم المعاصر.

خلال أزمة إغلاق الأجواء الأخيرة، هل كانت هناك لحظة شعرت فيها أن فشل الخطة ليس خياراً؟

- في الحقيقة، ما زلت أرى أن العامل الحاسم في تلك الأزمة لم يكن قراراً فردياً أو إجراءً تشغيلياً بعينه، بل حجم الدعم الذي حظيت به "طيران الخليج" من قيادة مملكة البحرين، وعلى رأسها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ومن مختلف مؤسسات الدولة.

في مثل هذه الظروف تحتاج إلى قرارات سريعة ودعم استثنائي، وهذا ما وجدناه منذ اللحظات الأولى. كانت هناك إرادة واضحة للحفاظ على استمرارية الربط الجوي للبحرين، وكان الجميع يعمل بروح الفريق الواحد.

ما الذي جعل "طيران الخليج" قادرة على الاستفادة من هذا الدعم بهذه السرعة؟

- الدعم وحده لا يكفي إذا لم تكن هناك جاهزية للاستفادة منه. وأعتقد أن ما ساعدنا كثيراً هو أننا كنا نمتلك خططاً وسيناريوهات معدة مسبقاً، واستفدنا من الخبرات التي راكمناها خلال سنوات طويلة من العمل والتعامل مع مختلف الأزمات والتحديات التشغيلية.

كنا قد تدربنا على سيناريوهات متعددة، وراجعنا خطط استمرارية الأعمال والطوارئ مرات عديدة، ولذلك عندما وقعت الأزمة لم نبدأ من الصفر.كانت لدينا رؤية واضحة لما يجب عمله، ومن المسؤول عن كل خطوة، وما هي البدائل المتاحة.

كيف كانت الأيام الأولى للأزمة؟

- كانت أياماً استثنائية بكل معنى الكلمة. فخلال فترة قصيرة جداً نقلنا عملياتنا التشغيلية بالكامل إلى مطار الدمام. انتقل الطيارون وأطقم الضيافة، وانتقلت المعدات التشغيلية وقطع الغيار ومعدات الصيانة ومستلزمات المقصورة والأنظمة الداعمة للعملية التشغيلية وتوفير مقر بديل في البحرين لجمع وإتمام إجراءات السفر لآلاف المسافرين ثم نقلهم براً إلى الدمام عبر جسر الملك فهد، وكذلك إتمام إجراءات المسافرين عبر الرحلات القادمة إلى البحرين.

لم يكن الأمر مجرد تشغيل بعض الرحلات من مطار آخر، بل كان أشبه بنقل شركة طيران كاملة إلى موقع جديد خلال أيام معدودة.

وقد أثبتت فرق العمل في مختلف الإدارات قدرة كبيرة على التكيف والعمل تحت الضغط، وساهم ذلك في المحافظة على استمرارية العمليات وربط البحرين بالعالم.

ما الدور الذي لعبه الأشقاء في المملكة العربية السعودية؟

- كان التعاون والدعم من المملكة العربية السعودية محورياً في نجاح العملية، وقد ذكرت حينها أن المملكة العربية السعودية لم تكن جاراً فتح بابه، بل أخاً فتح قلبه في هذه الأزمة

وجدنا كل التسهيلات المطلوبة، وكانت هناك توجيهات واضحة لتذليل العقبات ومساعدتنا على مواصلة عملياتنا من الدمام.

وقد لمسنا من جميع الجهات المعنية تعاوناً كبيراً ومهنية عالية، وهو ما أسهم بصورة مباشرة في نجاح هذه التجربة الاستثنائية.

ماذا تمثل لك هذه التجربة اليوم؟

- أعتبرها واحدة من أهم التجارب في مسيرتي المهنية. ليس لأنها كانت أزمة كبيرة فحسب، بل لأنها أثبتت أن التخطيط المسبق والاستعداد الحقيقي للأزمات ليسا أمراً نظرياً، بل ضرورة عملية.

كما أكدت أن النجاح في مثل هذه الظروف لا يتحقق بجهود الأفراد وحدهم، بل بدعم القيادة حفظها الله، وتكامل المؤسسات، وروح الفريق الواحد فريق البحرين، والجاهزية التشغيلية العالية.

وأعتقد أن أكثر ما يدعو للفخر أننا استطعنا المحافظة على ربط البحرين بالعالم في ظرف استثنائي، وأن نؤكد مرة أخرى قدرة الناقلة الوطنية على مواجهة أصعب التحديات عندما تتوافر الإرادة والاستعداد والعمل الجماعي.

بعد أكثر من ثلاثة عقود في الطيران والقيادة، ما أهم درس تعلمته في الحياة؟

- أول ما تعلمته أن الفضل كله لله، فالإنسان يخطط ويجتهد ويعمل ويبذل ما يستطيع، لكن التوفيق من الله وحده. وكلما تقدمت في العمر، ورأيت من الأحداث والتجارب ما رأيت، ازددت يقيناً بأن هناك أموراً كثيرة لا تتحقق بالقدرات البشرية وحدها، وإنما بتوفيق الله وتسديده.

وتعلمت أيضاً أن النجاح لا يصنعه فرد مهما كانت قدراته، بل تصنعه فرق العمل المخلصة التي تؤمن بالهدف نفسه. وما حققته في أي محطة من محطات حياتي لم يكن جهد شخص واحد، بل ثمرة عمل جماعي ودعم من كثير من الناس.

وتعلمت أن القيادة ليست منصباً، بل مسؤولية. وأن القائد الحقيقي لا يطلب من الناس ما لا يكون مستعداً أن يفعله بنفسه.

كما تعلمت أن الأزمات مهما اشتدت فإنها تمر، وأن ما يبقى بعد كل أزمة هو الدروس المستفادة، والأثر الذي تتركه في الناس، والأخلاق التي تتمسك بها في أصعب الظروف.

أما الدرس الأهم، فهو أن الإنسان مهما حقق من نجاحات ومناصب، يبقى محتاجاً إلى التواضع، وإلى أن يتذكر دائماً أن كل ما لديه هو فضل من الله قبل أي شيء آخر.

ولعل أجمل ما أختم به هذه الرحلة بيت من الشعر ظل قريباً إلى نفسي عبر السنين "ولولا عونٌ من الله للفتى لكان أول ما يقضي عليه اجتهاده".