بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي
للأوطان حرماتٌ، وللسيادة منها أعظم الحرمات؛ فهي ليست حدّاً يُرسَم على الخرائط، ولا رايةً تعلو الساريات، بل عهدٌ تُصان به الأرض، وتُحفظ به السماء، ويأمن به الإنسان.
فإذا استُبيحت سيادةُ وطن، لم يُعتدَ على ترابه وحده، بل على كرامة شعبه، وهيبة دولته، وحقه في أن يكون سيد قراره. وكانت البحرين، كما عهدها أهلها، وكما عرفها التاريخ، وطناً جعل من صيانة سيادته خُلُقاً للدولة، وعقيدةً للمؤسسات، ووفاءً للشعب. ولذلك كُسرت يدُ إيران، يدُ العدوان التي امتدّت بالأذى؛ فلا جُبرت إن انكسرت، ولا بُوركت إن بطشت، ولا سَلِمت إن عادت، (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).
ولم يكن ذلك الاعتداء زلّةَ قرارٍ استعجلته ساعةُ غضب، ولا ردَّ فعلٍ أملته لحظةُ اضطراب؛ بل كان صفحةً جديدةً من سجلٍّ قديم، ما تبدّل فيه إلا التاريخ، أما الفعل فباقٍ، والغاية فواحدة. مشروعٌ يبدّل أقنعته ولا يبدّل وجهه، ويغيّر شعاراته ولا يغيّر غاياته، ويلبس لكل مرحلةٍ ثوباً جديداً، حتى إذا انكشف الثوب ظهر العدوان.
فإن ضاقت به الحجة احتمى بالصاروخ، وإن سقط منطقه احتمى بالمسيّرة، وإن افتضح أمره احتمى بالمظلومية، حتى غدا العدوان عنده سياسة، والتدخل عقيدة، والوصاية رسالة.
ولقد أخطأ المعتدي حين ظن أن الصاروخ يكسر إرادة الأوطان؛ فليس أخطر ما في الصاروخ أنه يشق السماء، وإنما أنه يكشف ما في الأرض. يكشف صدق القيادة إذا قادت، ورسوخ الدولة إذا امتحنت، ووحدة الشعب إذا أحدقت به الخطوب. فما أكثر سهمٍ أُطلق ليبعثر الصفوف فإذا به يجمعها، وما أكثر نارٍ أُضرمت لتزرع الفزع فإذا بها توقظ العزم، وتكشف معادن الرجال، وصلابة المؤسسات، وتُسقط عن المعتدي آخر الأقنعة.
وما أقصر المسافة بين الصاروخ والطائرة، إذا انطلقا من عقلٍ واحد، لا يرى في الأوطان إلا ساحات نفوذ، ولا في الشعوب إلا أوراق تفاوض. يبعث الأول إلى البحرين والكويت وإلى بقية دول الخليج العربي في أحيان أخرى، ثم يبعث الثانية إلى صنعاء، ويكتب على جناحها: «رحلةٌ إنسانية».
وأيُّ إنسانيةٍ هذه التي يسبق فيها خبيرُ الحرس الثوري الطبيب، ويعلو فيها صوتُ الوصاية على صوتِ الإغاثة، ويُفتح فيها الطريق إلى الميليشيا قبل أن يُفتح إلى الدولة؟ إنها ليست إنسانيةً تُداوي جراح الأوطان، بل سياسةٌ تُداوي جراح المشروع، وتُطيل عمر التبعية، وتستثمر في بقاء الفوضى.
لقد أكثروا من تغيير الأسماء حتى حسبوا أن الحقائق تتبدل إذا تبدلت ألفاظها؛ فسمّوا العدوان ردّاً، والتدخل عوناً، والوصاية شراكة، والميليشيا مقاومة. وما علموا أن الاسم لا يُغيّر المسمى، وأن الصاروخ لا يصير حمامةً إذا كُتب عليه «سلام»، وأن الجسر الجوي لا يغدو جسراً للرحمة إذا كان آخر مداه ترسيخ النفوذ، وإدامة الصراع، واختطاف القرار، وإضعاف الدولة لحساب الجماعة.
ولقد علّمتنا التجارب أن المشروع الإيراني لا يبدأ بدولةٍ ثم يبني ميليشيا، بل يبدأ بميليشيا ثم يهدم دولة؛ ولا يزرع استقراراً ثم يحصد سلاماً، بل يزرع اضطرابًا ثم يجني نفوذاً. فهو لا يقيس نجاحه بما يعمر من أوطان، وإنما بما يعطل من مؤسسات، ولا بما يجمع من شعوب، وإنما بما يفرق من صفوف. فإذا رأى دولةً قويةً خاصمها، وإذا وجد جماعةً خارجةً احتضنها، وإذا لمح فراغاً في السيادة ملأه بولاءٍ لا للوطن، بل لغير الوطن.
ومن هرمز إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى خليج عدن، ومن سماء البحرين إلى جسر صنعاء، لا تتبدل إلا الأسماء، أما البصمات فواحدة، والوسائل وإن تنوعت، فالغاية واحدة؛ مشروعٌ لا يقوى إلا إذا ضعفت الدولة، ولا يتمدد إلا إذا تراجعت السيادة، ولا يزدهر إلا إذا تفرقت الكلمة. فهو لا يبني جاراً، بل يصنع تابعاً، ولا يقيم شراكةً، بل يفرض وصايةً، ولا يصنع سلاماً، بل يؤجل حرباً لتلد حرباً أخرى.
ولعل أخطر ما كشفه هذا العدوان أنه لم يكن اعتداءً على مملكة البحرين وحدها، بقدر ما كان اختباراً لفكرةٍ أكبر من نفسها؛ فكرة أن أمن الخليج العربي يقبل التجزئة، وأن سيادة دولةٍ منه يمكن أن تُمس دون أن تمس سائر الدول. وذلك وهمٌ لا يعيش إلا في عقول أصحابه؛ لأن الأخطار لا تعترف بالحدود، والتهديدات لا تتوقف عند خطوط الخرائط، وما يمس أمن دولةٍ من دول الخليج العربي إنما يوقظ في البقية سؤال المصير قبل سؤال الجوار.
ولقد أثبتت الأيام أن الصواريخ تُطلق في دقائق، أما بناء الردع فيحتاج إلى أعوام؛ وأن العدوان قرارٌ يتخذه متهور، أما الأمن فتبنيه دولٌ تعرف قيمة الدولة، وتدرك أن السيادة لا تُحفظ بردود الأفعال وحدها، بل بالرؤية، والاستعداد، وتكامل القدرات، ووحدة الإرادة. وما طمع طامعٌ في جوارٍ متماسك، وإنما يطمع حيث يرى فرجةً في الصف، أو وهناً في الموقف، أو تردداً في القرار.
ومن هنا، فإن تعاضد دول الخليج العربي لم يعد ترفاً سياسياً، ولا مجاملةً دبلوماسية، ولا موقفاً تمليه الظروف العابرة؛ بل أصبح ضرورةً تمليها الجغرافيا، وتؤكدها التجارب، وتفرضها طبيعة الأخطار التي لم تعد تفرق بين سماءٍ وسماء، ولا بين ساحلٍ وساحل. وليس المأمول وحدةً تستيقظ إذا دوّت صفارات الإنذار، ثم تخبو إذا هدأت الأصوات؛ بل وحدةً تجعل من الردع نهجاً، ومن التكامل ثقافةً، ومن الأمن المشترك مسؤوليةً يومية، حتى يدرك كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن هذه المنطقة أن ما يواجهه ليس حدوداً متجاورة، بل إرادةً متكاتفة، ورؤيةً متوافقة، ومصيراً واحداً.
وستبقى البحرين، بقيادة سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم حفظه الله ورعاه، وطناً لا يُستباح، وسيادةً لا تُساوَم، وقراراً لا يُختطف.
ونتطلع دوماً إلى تعاضدٍ أرسخ بين دول الخليج العربي، لا يقف عند ردّ الفعل بل يصنع الفعل، ولا يكتفي ببلاغ التضامن بل يبني قوة التآزر؛ فإذا اعتُدي على سماءٍ من سماوات الخليج العربي، أحسّت بها كل سماء، وإذا هُدد شاطئ، نهض له كل ساحل، وإذا أطلق المعتدي نارَه، وجد أمامه خليجاً عربياً واحداً في يقظته، واحداً في ردعه، واحداً في مصيره.