حاول النظام الإيراني منذ 28 فبراير أن يشتت الصف الخليجي، فأرسل لدول مجلس التعاون رسائل متضاربة؛ رسائل سياسية تخطب الود تارة، وعسكرية بقصف مباشر على أعيان مدنية تارة أخرى. كان هناك خطابان: خطاب البدلة العسكرية للحرس الثوري الإيراني، والذي لا ينظر إلى حسن الجوار ولا إلى الأعراف الدولية بعين الاعتبار، ويتسم بالغرور والعجرفة والتهديد والابتزاز، خطاب معبّر عن «إيران الثورة».
وخطاب آخر دبلوماسي قدّمه أصحاب البدلات، معبّراً عن إيران الدولة ومؤسساتها، والمسمّى خطاباً سياسياً، يعتذر فيه عما فعله العسكر، ويطلب المهلة لترتيب البيت الإيراني.
وسواء كان هذا التناقض توزيعاً للأدوار متفقاً عليه، أم كان معبّراً عن صراع منهجي استراتيجي، فإن هذا التناقض استفادت منه إيران فعلاً، وحقّق جزءاً كبيراً من غايته، فتباينت المواقف الخليجية، لكنه حلٌّ مؤقتٌ لا تستطيع إيران استخدامه لفترة طويلة، وفي النهاية أضرّ بمصداقية إيران ولم يخدمها، واستنفد كل ما يستطيع أن يقدّمه من دعوة أو طلب من المجتمع الدولي أو من دول الخليج للانتظار حتى يُحسم القرار في الداخل الإيراني بين الجناحين.
ثم عمل متعمداً على التفرقة بين دول المجلس في الاعتداءات العسكرية، فشدّد على بعض الدول، وخفّف على البعض الآخر، قاصداً أن يفرّق بين ردود الفعل، حتى لا يكون هناك موقف خليجي موحّد.
وجميعها أدوات استخدمها النظام الإيراني للدفع بالتباينات واختلاف الرؤى، قاصداً بذلك التفريق بين دول مجلس التعاون والانفراد بالواحدة دون الأخرى.
كانت هذه سياسته منذ 28 فبراير، لتجنّب مواجهة موقف خليجي موحّد، فهذا الموقف سيزيد من أعبائه، وهو موقف لن يكون موجّهاً إلى إيران فحسب، بل إلى كل من يساندها أو يتعاون معها بشكل أو بآخر!!
أما الموقف الخليجي، بالمقابل، فقد تجنّب الخليجيون المواجهة مع إيران، رغم اعتداءاتها الغاشمة منذ اليوم الأول؛ فهم لم يُستشاروا، ولن يُفرض عليهم موقفٌ يبدو وكأنه يساند إسرائيل ضد إيران.
ومن بعد سلسلة من بيانات الشجب، وسلسلة من الاستنكارات والاعتراضات، ومن بعد محاولات للحوار أو للوساطات، ومن بعد ابتعاد إسرائيل عن المشهد، ومن بعد الاعتداءات المتكررة غير المبررة، والتي كانت قد فقدت حجيتها منذ اليوم الأول من الأساس، صدر البيان الذي انتظرته الشعوب الخليجية، ليعبّر فعلاً عن أهداف دول مجلس التعاون التأسيسية التي من أجلها وُجد هذا المجلس أصلاً، ورحم الله الآباء المؤسسين.
وجاءت الفقرة التالية في البيان لتعبّر عن شعوب مجلس التعاون كلها دون استثناء:
«تؤكد دول مجلس التعاون على التضامن الكامل بين دولها، ووقوفها صفاً واحداً للتصدي لهذه الاعتداءات، مشددة على أن أمن دول المجلس كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء تتعرض له أي دولة عضو هو اعتداء مباشر على كافة دول المجلس، وفقاً للنظام الأساسي لمجلس التعاون واتفاقية الدفاع المشترك، كما تؤكد على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع عن النفس للدول، فردياً وجماعياً، في حال تعرضها للعدوان، واتخاذ كافة الإجراءات التي تحفظ سيادتها وأمنها واستقرارها».
على إيران يقع الاختيار الآن، أن تحدّد مصير علاقاتها بدول الجوار، هل تريد الاستمرار معه كدولة أم كثورة؟
ونرجو ونتمنّى أن يُدرك الجميع أن كلَّ ما تقدّمه الدول من فرص لإيران ما هو إلا أنبوبة أوكسجين ينتعش بها الحرس الثوري الإيراني لإعادة التموضع العسكري.
وليس مطلوباً، بالمقابل، الدخول في مواجهة عسكرية خليجية إيرانية، بل المطلوب، في الحد الأدنى، المقاطعة والتحرّك الدبلوماسي خليجياً بموقف موحّد؛ لتحشيد موقف دولي واضح لا يقتصر على تحرّك البحرين في مجلس الأمن، بل تحرّك دبلوماسي بوفد مشترك يُطالب بوضع المصالح الخليجية مقابل مصالح حلفائنا في أوروبا، وفي الصين وروسيا، في محك الميزان.
أقل من ذلك لا يُحسب لنا حساب، وحتى لا يُحسب حساب للدول التي تبحث لها عن تميّز وانفراد خارج السرب، بل العكس!
اللهم احفظ لنا كل دول مجلس التعاون، بلا استثناء، واهدنا طريق الصواب.