كشفت الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على البحرين وشقيقاتها دول الخليج العربي حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها، وهي أن النظام الإيراني والحرس الثوري لا يتعاملان مع دول المنطقة بمنطق حسن الجوار أو احترام السيادة إطلاقاً، وإنما بمنطق القوة والابتزاز.

والعجيب هو محاولة طهران تبرير هذه الاعتداءات بذريعة وجود قواعد عسكرية أمريكية في البحرين أو دول مجلس التعاون الخليجي، وهي حجة لا تصمد أمام أي تحليل موضوعي.

فإذا كانت القواعد الأجنبية هي المبرر الحقيقي، فلماذا لا تتجرأ إيران على توجيه صواريخها وطائراتها المسيّرة نحو دول تستضيف قواعد أمريكية مثل تركيا أو العراق؟ هذا التناقض يكشف أن القضية ليست رفضاً للوجود العسكري الأجنبي، وإنما انتقائية مبنية على تقدير خاطئ بأن دول مجلس التعاون الخليجي تمثل الحلقة الأضعف، وأنها أقل ميلاً للرد.

وهذه الحسابات هي التي شجعت النظام الإيراني والحرس الثوري على المضي في سياسة الترهيب والابتزاز، حتى سقطت كل ادعاءات حسن النية، وانكشف التناقض بين الخطاب والممارسة، وفقدت الرواية الإيرانية مصداقيتها.

وأجد نفسي أتفق مع ما ورد في التقرير الصحفي الذي نشرته جريدة الوطن مؤخراً، والذي استضاف نخبة من المحللين الاستراتيجيين الخليجيين. فقد أكد عدد من المشاركين أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد التنسيق الدفاعي إلى منظومة دفاع جماعي خليجية أكثر تكاملاً، وطرحوا فكرة الناتو الخليجي باعتبارها خياراً واقعياً تفرضه طبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة. كما دعا التقرير إلى أن تنتقل دول مجلس التعاون من الاكتفاء بشراء السلاح إلى الإنتاج العسكري، بحيث تصنع جزءاً من منظوماتها الدفاعية بنفسها.

ومن يظن أن الدول الصغيرة محكومة دائماً بالخضوع أمام الجار الأكبر حجماً أو تعداداً، فإن ما يجري في أوكرانيا مثلاً يدحض هذه الفكرة. فبعد أكثر من أربع سنوات من الحرب، لم تحقق روسيا أهدافها الاستراتيجية، رغم تفوقها الجغرافي والعسكري والعددي. بل تشير تقارير حديثة أن أوكرانيا تنجح الآن في نقل المعركة إلى العمق الروسي، وتستهدف منشآت للطاقة وغيرها، وتلحق خسائر فادحة في البنى التحتية وخسائر بشرية هائلة بالقوات الروسية، الأمر الذي يعكس تغيراً تدريجياً في ميزان القوة. كما أن منظوماتها الدفاعية المتطورة و المصنعة محلياً، استطاعت صد الهجمات الروسية و التقليل من خطورتها.

و بالتالي، تقف دول الخليج أمام لحظة تاريخية، فإما أن تبقى كل دولة تواجه التهديدات منفردة، وإما أن يتحول مجلس التعاون الخليجي إلى كتلة دفاعية حقيقية، تمتلك قيادة موحدة، وصناعة عسكرية متقدمة، وعقيدة أمنية تعتبر أن أي اعتداء على دولة عضو في المجلس هو اعتداء على الجميع.

و بصراحة، فإن الردع الجماعي، والتكامل العسكري، والاعتماد على الصناعات الدفاعية المحلية، ليست خيارات ترفيه، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لحماية الأمن والاستقرار، وكبح جماح نظام و ميليشيات مسلحة اعتادت استخدام التهديد والصواريخ وسيلة لفرض إرادتها على جيرانها. وإذا كانت الاعتداءات الأخيرة قد حملت درساً واحداً، فهو أن أمن الخليج لا يمكن أن يبقى مجزأً، بل يجب أن يكون موحداً.