ليست الرسالة المنسوبة إلى مجتبى خامنئي مجرد بيان ثأري صادر عن نجل مرشد سابق، ولا خطاباً عابراً لرفع معنويات جمهور مذهبي أو حشد مؤيدين حول شعار الانتقام. إنها، في جوهرها، محاولة لإعادة تعريف السلطة الإيرانية في لحظة مرتبكة، مرشد غائب، ووريث يفتقر إلى الحضور، ومؤسسة أمنية تتقدم لملء الفراغ باسم الشرعية وحماية الجمهورية الإسلامية.
فالمسألة لا تتعلق بمقتل المرشد السابق وحده، بل بمصير المنصب الذي اختُزلت فيه الدولة، وبالجهة التي تملك حق احتكار تمثيل الولاية وإدارة النظام باسمها.
مجتبى خامنئي ليس علي خامنئي، مهما حاولت المؤسسة الأمنية إلباسه شرعية والده. فقد امتلك المرشد السابق، طوال عقود، رصيداً سياسياً ودينياً وأمنياً راكماً داخل بنية الجمهورية. أما مجتبى، فيظهر من موقع مختلف تماماً، فهو بلا تاريخ علني مماثل ولو جزئياً، ولا حضور جماهيري مستقل، ولا تجربة سياسية معلنة تتيح الحكم على قدرته على قيادة نظام شديد التعقيد والعنف.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى شرعية بديلة، أي شرعية وراثية تستند إلى الاسم، وتحميها مؤسسة أمنية تملك أدوات القوة أكثر مما تملك مقومات إدارة دولة. فحين تعجز المؤسسات عن إنتاج شرعية جديدة، تستدعي شرعية الدم، وحين لا يكفي ذلك، تتولى الأجهزة المسلحة مهمة تحويله إلى تفويض سياسي.
لكن المعضلة الأعمق تكمن في غياب مجتبى نفسه. فمنذ صعوده، لم يظهر علناً، ولم يخاطب الإيرانيين بصورة مباشرة، بل حضر عبر رسائل مكتوبة وحسابات منسوبة إلى مكتبه. وهذا الغياب ليس تفصيلاً ثانوياً؛ إذ يفرض سؤالاً سياسياً لا يمكن الالتفاف عليه، فهل نحن أمام مرشد يدير السلطة من خلف ستار، أم أمام شخصية غائبة فعلياً تُدار صورتها بواسطة مؤسسة أمنية؟
لا تقدم المعطيات المتاحة دليلاً قاطعاً على وفاة المرشد الحالي، لكن غياب الدليل العلني على حضوره السياسي يظل كاشفاً. ففي نظام تقوم شرعيته على حضور القائد، يصبح إثبات وجوده جزءاً من ممارسة السلطة، لا مسألة شكلية. وكلما طال غيابه، اتسعت مساحة الأجهزة التي تتحدث باسمه، وتقلصت مساحة المؤسسات التي يمكنها مساءلة المؤسسة الأمنية.
وعلى هذا الأساس، تكتسب عبارة أن الانتقام «مطلب وطني لابد منه» كما جاء في رسالة المرشد الأخيرة معناها الحقيقي. حيث ينتقل الثأر من الدائرة الخاصة إلى مرتبة التكليف الشرعي، وتجعل رفضه اختباراً للولاء. كما تمنح المؤسسة العسكرية ذريعة للظهور بوصفها الوصي على البلاد، والقادر على تحديد أعدائها ومصالحها.
أما الحديث عن «أحرار العالم»، فيبدو أقرب إلى إعادة إنتاج خطاب تعبوي منه إلى توصيف واقعي، خصوصاً بعد تراجع البنى المرتبطة بفيلق القدس وحزب الله. ولذلك لا تكشف الرسالة عن قيادة مستقرة بقدر ما تكشف نظاماً يدير غموضه بالقوة. فمجتبى، حاضراً كان أم غائباً، لا يرث الدولة بقدر ما يرث الولاية؛ والولاية، حين تفتقر إلى الحضور والإنجاز، تحتاج دائماً إلى عدو يبرر دوام شرعيتها.