في أكتوبر من عام 2008، أطلقت مملكة البحرين رؤيتها الاقتصادية 2030، لتشكل خارطة طريق لمستقبل التنمية في المملكة، وترسم ملامح اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة وعدالة، واضعة في صميم أهدافها تحسين مستوى المعيشة، وتعزيز جودة الحياة، وبناء اقتصاد قادر على المنافسة إقليمياً وعالمياً.

أتذكر جيداً تلك المرحلة؛ فقد كنت صحفية في القسم الاقتصادي بجريدة الوطن، وكانت الرؤية حديث الشارع، ومحوراً لعشرات التقارير والحوارات والاستطلاعات التي حاولت قراءة المستقبل، واستشراف ما يمكن أن تحققه من تحولات.

في ذلك الوقت، كان لدي اعتقاد بأن تنفيذ الرؤية يجب أن يرافقه إعلام اقتصادي وطني، يفسر الأخبار ويحللها ويقربها من المجتمع، ويقدمها للعالم باعتبارها قصة نجاح.

كنت أظن أن البحرين ستشهد ولادة منصات إعلامية اقتصادية، تمتلك القدرة على مرافقة الرؤية وتوثيق منجزاتها، والتعريف بما تمتلكه البحرين من بيئة استثمارية متطورة، وتشريعات مرنة، وكفاءات وطنية، وبنية تحتية.

لكن ما حدث كان مختلفاً.

فعلى الرغم من النجاحات والمشروعات الكبرى التي أنجزت، والإصلاحات المالية والتشريعية التي شهدتها المملكة، والاستثمارات التي استقطبتها، بقي الإعلام الاقتصادي محدود الحضور، بينما ظلت الصورة الاقتصادية للبحرين في كثير من الأحيان تختزل في مؤشرات وأرقام فقط.

وعلى امتداد السنوات الماضية، ظهرت مبادرات ومحاولات وطنية جادة لإنتاج إعلام اقتصادي متخصص، قادها صحفيون آمنوا بأن الاقتصاد ليس شأناً نخبوياً، بل قضية رئيسية تمس حاضر الوطن ومستقبله.

بل يمكن القول إن إحدى هذه التجارب تمثل اليوم واحدة من أبرز المحاولات التي نجحت في إعادة الاعتبار للإعلام الاقتصادي، من خلال تقديم محتوى مهني ومتابعة دقيقة تضع الاقتصاد في مكانه الصحيح وقريباً من المعلومة الموثوقة.

لكن استمرار مثل هذه التجارب لا ينبغي أن يبقى رهناً بالجهود الفردية، فالإعلام الاقتصادي استثمار يخدم الدولة، فكل خبر اقتصادي قد يفتح باب استثمار جديد، وكل قصة نجاح قد تعزز الثقة في الاقتصاد، وكل تحليل قد يسهم في رفع مستوى الوعي داخل المجتمع.

لهذا، فإن دعم الإعلام الاقتصادي يجب أن يتحول إلى جزء من منظومة وطنية، وأن يحظى باهتمام الجهات الرسمية والخاصة، عبر بناء شراكات وتوفير المعلومات وإتاحة البيانات، وإشراك الإعلام الاقتصادي في صناعة الوعي التنموي

وفي عالم تتنافس فيه الدول على جذب الاستثمارات، لم تعد الإنجازات وحدها كافية، بل أصبحت طريقة عرضها وروايتها جزءاً من عناصر التنافس، فالدول لا تسوق اقتصاداتها بالأرقام فقط، بل بالرواية التي تمنح تلك الأرقام معناها وقيمتها.

لقد آن الأوان لأن نتعامل مع الإعلام الاقتصادي باعتباره جزءاً من البنية التحتية للتنمية، تماماً كما نتعامل مع التشريعات، والموانئ، والمناطق الصناعية، والبنية الرقمية، فكلها أدوات لبناء اقتصاد قوي، لكن بعضها يبني الإنجاز والآخر يروي قصته للعالم.