يعود المشهد من جديد في منطقتنا الآمنة حيث عدنا إلى المربع الأول، ونشاهد العدوان الإيراني الآثم بالمسيّرات والصواريخ الباليستية التي تتقاذف علينا من كل حدب وصوب، وأصبح الضرر الذي لحق بالمواطنين المدنيين العُزّل في مساكنهم وبالبنية التحتية والمنشآت المدنية الخدمية يتزايد.
وعلى الرغم من ذلك، فإن كل ضربة تزيدنا قوة فوق قوة، وذلك لما شاهدناه من التفاف الشعب حول قيادته والتكافل الاجتماعي بين العوائل والأسر والجيران، فكلٌّ يعمل لأجل أخيه المتضرر ويقدم المساعدة له، وهذا السلوك الذي يُظهر المحبة التي جُبل عليها شعب البحرين الكريم والتي تُظهر الهوية الوطنية والمعدن الحقيقي للمواطن الغيور.
وعلى الرغم مما مرت به مملكة البحرين ودول مجلس التعاون الخليجي وبعض من الدول العربية، إلا أنهم مازالوا يسعون إلى المحافظة على الجيرة، محافظين بذلك على ميزان الردع وحماية المصالح الاستراتيجية، ومنها أمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة العالمية. وفي المقابل نرى من يلعب على وتيرة الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وفي ظل هذا المشهد، تتحول منطقة الخليج العربي إلى مركز الثقل أي المكان المستهدف في أي معادلة أمنية، لما تمثله هذه المنطقة من أهمية استراتيجية للتجارة الدولية والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وقد يكون هناك أكثر من تصور مستقبلي محتمل، ومنها احتواء الأزمة والعمل على وقف التصعيد، وهذا هو الأكثر ترجيحاً، حيث تستمر الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتفعيل الوساطات الإقليمية والدولية للحد من اتساع دائرة الصراع.
والتصور الثاني قد يكون تصعيداً محدوداً ومن الممكن أن يتدرّج، إذ قد تشهد المنطقة عمليات عسكرية محدودة، أو هجمات سيبرانية، أو استهدافاً لمصالح استراتيجية، مع بقاء جميع الأطراف حريصة على عدم تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى حرب شاملة.
أما عن التصور الثالث، وهو الأقل احتمالاً، وقد يصل إلى مواجهة إقليمية واسعة، ولكنه يظل وارداً إذا حدثت بعض التغيرات في الحسابات الاستراتيجية، أو استهداف مباشر لمنشآت حيوية، أو تعطل الممرات البحرية بصورة شاملة وبشكل أوسع، بما يدفع الأطراف إلى ردود فعل متسلسلة يصعب احتواؤها.
أما عن انعكاسات تلك الأزمة المتجددة على دول الخليج العربي، فستتركز على مواصلة الدول إلى رفع جاهزيتها العسكرية والأمنية، وتعزيز الدفاعات الجوية والبحرية، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتكثيف التنسيق المعلوماتي، إلى جانب دعم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد.
كما ستزداد أهمية الأمن الاقتصادي، وحماية سلاسل الإمداد، وتعزيز العمليات الأمنية والأمن السيبراني، باعتبارها عناصر رئيسية في منظومة الأمن الوطني الشامل.
كما يشهد الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة تتسم بارتفاع مستوى التوتر في المنطقة، وتعدد مسارات الصراع بين الضغوطات الاقتصادية، والردع العسكري، والعمليات الأمنية، والحروب الإعلامية.
واليوم لم يعد السؤال المطروح من قبل وهو هل ستندلع مواجهات جديدة؟ بل أصبح السؤال كيف ستُدار هذه الأزمة؟ وما هي حدود التصعيد الممكن دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة؟
لقد أثبتت التجارب أن طبيعة الصراعات الحديثة تغيرت بصورة جوهرية، فلم تعد المواجهات تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل أصبحت تُدار في الفضاء الإلكتروني، وغرف المعلومات، ومنصات الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث تتنافس الدول على صناعة القرار الدبلوماسي، الاقتصادي، والعسكري.
حفظ الله مملكة البحرين وقيادتها وشعبها ودول مجلس التعاون الخليجي وقياداته وشعوبه، من كل شر ومكروه.