من أكثر الأمور التي أفخر بها في واقع عملي الحكومي، مسؤوليتي عن تدريب عدد كبير من المسؤولين في مؤسساتنا الحكومية، من مدراء ورؤساء، ضمن وحدة التعامل مع وسائل الإعلام، الذي يقدمه معهد الإدارة العامة في برنامجي «قيادات» و«كوادر».

بالنسبة لي، لا يكمن جمال هذه الدورات في التدريب وحده، بل بما تفتحه لي من نوافذ للتعرّف عن قرب على كوادر بحرينية تستحق بالفعل أن نفخر بها. شباب وشابات حظوا بثقة رئاسة حكومتنا، ووصلوا إلى مواقع قيادية بجدارة، يحملون فكراً متقدماً، وتعليماً رفيعاً، وطموحاً لا يعرف سقفاً، ويعملون بإخلاص يبعث على التفاؤل بمستقبل هذا الوطن.

في كل دورة أخرج بقصص جديدة تستحق أن تروى. وبالأمس، وخلال التدريب المتخصّص في هذه المقابلات الإعلامية، سُعدت بالتعرّف على عدد جديد من الكوادر القيادية، لكنني وقفت منبهراً حينما كنت أُجرى المقابلة مع دكتورة تمارس الجراحة.

وهنا الحديث مع جراح يُمسك المشرط وأدوات الجراحة ويقوم بالعمليات المعقدة حديث يُثير أسئلة كثيرة وعديدة، خاصة وأننا نتحدث عن عمليات كثير منها يضع حياة الإنسان على المحك، أو يكون محفوفاً بمخاطر كثيرة.

سألتها عن أكثر لحظة بقيت عالقة في ذاكرتها طوال مسيرتها المهنية، فتحدثت بهدوء، لكنني أحسست صوتها مشحوناً بالمشاعر. كانت تتحدث عن الأطفال الذين يخضعون لعمليات زراعة القوقعة.

هذا البرنامج الوطني الذي انطلق في مملكة البحرين عام 2001، وأصبح اليوم واحداً من قصص النجاح الطبية التي نفخر بها، بعدما أعاد نعمة السمع لأعداد كبيرة من الأطفال، وفتح أمامهم أبواب الكلام والتعلم والتواصل مع الحياة.

سألتها عن عدد العمليات التي أجرتها بنفسها طوال سنوات عملها، فذكرت لي رقماً كبيراً جعلني أندهش، رقماً جعلني أتوقف للحظات.

لم أفكر في الرقم بقدر ما فكرت في معناه. كم طفلاً عاد يسمع صوت أمه لأول مرة؟ كم أباً عاش لحظة انتظرها سنوات؟ كم أماً بكت فرحاً وهي تسمع طفلها ينطق أول كلمة؟ كم عائلة تبدّلت حياتها بالكامل بسبب طبيبة آمنت بأن الطب رسالة قبل أن يكون مهنة؟!

ثم أضافت معلومة كانت كفيلة بأن تجعل القصة أكثر جمالاً. قالت إن اثنين من الأطفال الذين أجرت لهم عمليات زراعة القوقعة كبرا اليوم، وأصبحا يدرسان الطب.

تخيّلوا طبيبة تمنح طفلاً فرصة السمع، فيكبر ذلك الطفل ليصبح طبيباً يساعد غيره. أي أثر يمكن أن يتركه الإنسان في هذه الحياة أعظم من هذا؟!

لطالما كان تقديري للأطباء البحرينيين كبيراً، لأنني أرى في كثير منهم نموذجاً مختلفاً. أطباء لا يمارسون الطب بوصفه وظيفة مجزية فحسب، بل رسالة إنسانية، يرون في كل مريض حكاية تستحق أن تنتهي بالأمل، وفي كل نجاح مسؤولية أكبر تجاه الناس.

ولهذا، كلما جلست مع طبيب بحريني واستمعت إلى قصصه، ازددت يقيناً بأن البحرين بخير، وأن هذا الوطن مليء بأشخاص يعملون بصمت، بعيداً عن الأضواء، يعملون بإنسانية، وآثارهم تمتد في حياة الناس لسنوات طويلة.

وهنا أقولها بصدق، إذ أعظم ما يمكن أن يعيشه الطبيب هو أن يكون، بفضل الله سبحانه وتعالى، سبباً في أن يكتب لإنسان فصلاً جديداً من حياته، وأن يمنحه فرصة ليعيش حياة طبيعية.

هذا ما جعلتني أعيشه بيقين أمس الدكتورة مريم سهوان، استشارية وجراحة الأنف والأذن والحنجرة، ورئيس البرنامج الوطني لزراعة القوقعة.

الدكتورة الجراحة الإنسانة التي كانت سبباً في شفاء العشرات من أطفالنا من الصم، ونجحت بعملياتها في أن تمنحهم الفرصة ليسمعوا صوت الحياة الجميل، وأن يعيشوا كأي طفل سليم، وأن تكون الحياة أمامهم بكل أملها وتفاصيلها.

خرجت من يومي التدريبي بالأمس متعرّفاً على كوكبة جديدة من كوادر بلادنا المتميزة، والأجمل أنني تعرّفت على قصة إنسانية تستحق أن تُروى، وأن نذكّر الناس بها، وألا تجعلها تمر كمرور الكرام.

كل التحية والتقدير للدكتورة مريم سهوان، ولكل طبيب وطبيبة من أبناء وطني، جعلوا من الطب رسالة رحمة قبل أن يكون مهنة. فهؤلاء لا يعالجون المرضى فحسب، بل يكتبون، بإذن الله، فصولاً جديدة في حياة البشر، لأنهم بالفعل ملائكة على هيئة بشر.