ليس أخطر على المجتمعات من الجهل وحده، بل من ذلك النوع الذي يتخفّى في ثوب المعرفة، ويجعل صاحبه يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، بينما يفتقر إلى أبسط أسس العلم. هذا ما يُعرف بـ«الجهل المركب»: أن يجهل الإنسان، ثم يجهل أنه يجهل، فتتحول قناعاته الهشة إلى يقين لا يقبل المراجعة.
في عصر المنصات الرقمية، لم يعد نشر المعلومة حكراً على المختصين، بل بات بإمكان أي شخص أن يقدّم نفسه خبيراً أو محللاً، فيجمع آلاف المتابعين بكلمات واثقة تفتقر إلى الدليل. وهنا الخطورة: الثقة الزائدة أكثر إقناعاً أحياناً من المعرفة الحقيقية، خصوصاً لمن يفتقر إلى أدوات التحقق والنقد.
تتجلى آثار هذه الظاهرة في مجالات متعددة؛ من نصائح طبية بلا تأهيل تعرّض حياة الناس للخطر، إلى ترويج لاستثمارات وهمية تبتلع مدخرات الأسر، وصولاً إلى التربية والإعلام والسياسة، حيث تتحول الآراء الشخصية إلى «حقائق» يتداولها الناس دون تمحيص.
تفسر بعض الدراسات النفسية هذه الظاهرة بما يُعرف بـ«تأثير دانينغ-كروغر»، الذي يشير إلى أن محدودي المعرفة يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم، بينما يدرك أصحاب الخبرة حجم ما يجهلونه، فيكونون أكثر تواضعاً في أحكامهم.
المشكلة ليست في الخطأ ذاته، فهو جزء من طبيعة الإنسان، بل في الإصرار عليه ورفض التعلم. والمجتمعات التي تُقصي أهل الاختصاص وتمنح المنابر لمن يجيدون الخطابة أكثر من امتلاكهم العلم، تفتح الباب أمام التضليل، وتُضعف الثقة بالمؤسسات المعرفية.
فكيف نحمي أنفسنا عملياً من هذا الفخ؟ الأمر لا يحتاج إلى خبرة أكاديمية بقدر ما يحتاج إلى عادات بسيطة: التحقق من مصدر أي معلومة قبل تصديقها أو مشاركتها، والتفريق بين «من يتحدث بثقة» و«من يملك دليلاً»، وسؤال أنفسنا دوماً: هل هذا الشخص مؤهل فعلاً في هذا المجال، أم أنه فقط بارع في الحديث عنه؟ كذلك من المفيد تبنّي قاعدة «الانتظار قبل النشر»، أي تأجيل مشاركة أي معلومة صادمة أو حاسمة حتى التأكد من مصدرها. وعلى مستوى المجتمع، يظل دعم المتخصصين الحقيقيين وإتاحة منابر لهم، مع تعليم مهارات التفكير النقدي في المدارس منذ الصغر، خط الدفاع الأول في مواجهة موجات التضليل.
الخلاصة
إن الحضارات لا تنهار بسبب نقص المعلومات، بل حين يتصدر المشهد من يظن أنه يعلم كل شيء وهو لا يعلم. فالمعرفة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بحدود ما نعرف، وبأن السؤال والتعلّم فضيلة لا ضعفاً. أعجبتني عبارة للإمام علي: «حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهّم أهل الباطل أنهم على حق»، فتلك العبارة تلخّص خطورة المشهد كله؛ فسكوت العارفين ليس حياداً، بل هو الفراغ الذي يملؤه الجهل المركب بثقته الزائفة.
وفي زمن تتسابق فيه الأخبار والمعلومات، يبقى العقل الناقد هو الحصن الأمتن، ويبقى التواضع العلمي أول خطوة نحو مجتمع أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.