عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

سبحانَ ربي؛ تقدَّست أسماؤه، وتعالت صفاتُه، وجلَّ في علاه؛ هو الذي بسطَ البحرَ بسطَ رحمةٍ لا بسطَ مِنَّة، وأرسله سبيلَ وصالٍ لا سبيلَ نزال، وجعل أمواجَه رزقًا جاريًا لا خراجًا جابيًا، ومضائقَه معابرَ للأمم لا معاقلَ للمطامع.

فلا البحرُ ضيعةٌ تُورث، ولا الموجُ سلعةٌ تُحتكر، ولا المضيقُ بابٌ يُؤجَّر، ولا الريحُ رسولٌ يُؤمَر. وإنما هي آياتٌ أطلقها الخالق لعباده، فلم يجعل عليها قفلًا لمحتكر، ولا مفتاحًا لمستكبر، ولا صكًّا لمتجبر.

وإن من أفسد القياس، وأكسد البضاعة، وأسمج الدعوى، أن يقف امرؤٌ على شاطئ بحرٍ لم يخلق قطرةً من مائه، ولم يجرِ عرقًا من أنهاره، ثم يزعم أنه صاحبُ إذنه، ومالكُ طريقه، وحارسُ ممره؛ فكأنما جاور النورَ فادّعى شمسه، أو جاور السحابَ فادّعى مطره، أو جاور الفضاءَ فادّعى أفقه. وما هكذا تُعرف الحقوق، ولا هكذا تُصان الطرق، ولا هكذا تُوزن العقول؛ وإنما هي دعاوى إذا راجت أفسدت، وإذا سادت أرهقت، وإذا حُكم بها ضاع الحق، واستعلى الحمق، واستوى البيانُ والبهتان.

ولم يأتِ القانونُ الدوليُّ ليهبَ البحرَ حريتَه، فالحريةُ لا تُوهب، ولا ليمنحَ المضيقَ حقَّه، فالحقوقُ لا تُستجدى؛ وإنما جاء ليكفَّ يدَ الطامع، ويقصمَ حجةَ المنازع، ويمنعَ المتغلبَ أن يجعل من نعمةٍ عامةٍ منفعةً خاصة، ومن حقٍّ مشاعٍ إرثًا محتكرًا.

فما هذه الشرائعُ كلماتٌ تُتلى، ولا موادُّ تُملَى، ولا بنودٌ تُحصَى؛ وإنما هي عِبَرٌ اعتُبرت، ومِحَنٌ اختُبرت، وتجاراتٌ تعثرت، وسفائنُ تكسرت، حتى أيقنت الأممُ أن البحرَ إذا أُطلق فيه سلطانُ الهوى، اختنق فيه رخاءُ الورى، وإذا صار المضيقُ رهينةَ نزوةٍ، أصبحت الدنيا رهينةَ أزمةٍ.

فما كُتبت حريةُ الملاحة بالحبر، ولكن كُتبت بالعِبر؛ ولا سُطِّرت بالأقلام، ولكن سُطِّرت بالآلام؛ ولا ثُبِّتت في الدفاتر، ولكن ثُبِّتت بحطام السفائن، وركام المرافئ، وكساد الأسواق، واضطراب الآفاق، حتى غدا القانونُ حارسَ حقٍّ لا صانعَ حق، وميزانَ عدلٍ لا مانحَ عدل، وشاهدَ حضارةٍ لا شاهدَ تجارة.

فإن قال قائلٌ: إن المضيقَ لمن جاوره، والبحرَ لمن أشرف عليه، والعبورَ رهنُ إذنه، قلنا: ما أفسدَ هذا القياس، وما أكذبَ هذا الالتباس، وما أضلَّ هذا الاقتباس! فإن كان الجوارُ يُورث، والقربُ يُملِّك، والإشرافُ يُخوِّل، فليملك أهلُ جبلِ طارق مضيقَه، وليملك أهلُ ملقا ممرَّه، وليملك أهلُ البوسفور والدردنيل مجراهما، وليملك أهلُ بابِ المندب منتهاه؛ وليغدُ كلُّ بحرٍ مُلكًا، وكلُّ مضيقٍ حكرًا، وكلُّ موجٍ خادمًا، وكلُّ سفينةٍ خاضعةً، وكلُّ تجارةٍ راكعةً، ولتقف الأممُ على أبواب المضائق وقوفَ السائل على باب المسؤول، تستجدي الإذن، وتسترحم العبور، وتستعطف المرور. كلا؛ فلا الحقوقُ تُباع، ولا البحارُ تُبتاع، ولا الممراتُ تُنتزع، ولا الشرائعُ تُختَرع.

كلا؛ فلا العدلُ يتجزأ، ولا القانونُ يتلوَّن، ولا الحقُّ يتحول، ولا الميزانُ يختل. كلا؛ فما ثبت بالحق لا تهزُّه الأهواء، وما استقام بالعدل لا تفسده الأرزاء، وما صانه القانون لا تبتلعه دعاوى الأقوياء، ولا تعبث به نزوات السفهاء، ولا تُسقطه صرخات الأدعياء، ولا تُبدله مطامع الجبناء.

فإذا كان ذلك كذلك، فأيُّ عقلٍ يستسيغ أن يُجعل مضيقُ هرمز ورقةَ مساومة، أو يُتخذ معبرُه أداةَ مكايدة، أو يُرفع في وجه العالم سيفًا للوعيد؟ إن المضيقَ ليس شريانَ دولةٍ بعينها، بل شريانُ تجارةٍ بأسرها، وليس بابَ إقليمٍ دون إقليم، بل بابَ اقتصادٍ تتشابك فيه مصالحُ الأمم، وتتلاقى عنده منافعُ الشعوب.

ومن لوَّح بإغلاقه، فما لوَّح على خصمه وحده، بل لوَّح على الأسواقِ بأرزاقها، وعلى الموانئِ بأعناقها، وعلى السفائنِ بأعلامها، وعلى التجارةِ بآمالها. وما أجهلَ من يظنُّ أن البحرَ إذا هاج، عرف رايةً فاستثناها، أو أن الموجَ إذا ثار، ميَّز بين سفينةٍ وسفينة، أو أن النارَ إذا اشتعلت، اختارت دارًا وتركت دارًا. فالفتنةُ إذا أُطلقت عميت، والأزمةُ إذا انفجرت عمَّت، والخسارةُ إذا حضرت شملت؛ ومن جعل المضيقَ سوطًا للابتزاز، جعل العالمَ كلَّه خصمًا له، والقانونَ شاهدًا عليه، والتاريخَ قاضيًا فيه، وحكمًا لا يُجامل ولا يُحابي.

وليس الخطرُ أن يضيقَ مضيقٌ، أو يتعطلَ معبرٌ، أو تتأخرَ سفينةٌ؛ وإنما الخطرُ أن يضيقَ ميزانُ العدل، وأن يتعطلَ سلطانُ القانون، وأن تتأخرَ مبادئُ الحق عن شهواتِ القوة. فما البحارُ إلا مرآةُ الحضارات؛ إن صفا فيها العدلُ صفا ماؤها، وإن عكرها الطمعُ تعكَّر مجراها، وإن عبثت بها الأهواءُ اضطربت أمواجُها، واختلطت أنباؤها، واستوى فيها المعتدي والمعتدى عليه.

فلا البحارُ يحرسها الحديدُ إذا صدئت الضمائر، ولا المضائقُ تصونها المدافعُ إذا سقطت الشرائع، ولا السفائنُ تنجو بالأشرعة إذا تمزقت المراجع. وإنما يحرسها عدلٌ لا يحيف، وعهدٌ لا يُخلف، وقانونٌ لا يتلوَّن، وميزانٌ لا يميل. فإذا استقام الميزانُ، أَمِنَ الإنسانُ، واطمأنَّ الرُّبَّانُ، وازدهر العمرانُ؛ وإذا اختلَّ الميزانُ، اضطربتِ الأوطانُ، واختنقتِ الشُّطآنُ، وتعثَّرتِ السُّفُنُ في الخُلجانِ، وبارتِ الأسواقُ في البُلدانِ، حتى يغدو البحرُ بابًا للأحزانِ بعد أن جعله اللهُ بابًا للعُمران.

ومن هنا، فإن العالمَ اليومَ مدعوٌّ إلى موقفٍ لا يتلوَّن، وحزمٍ لا يلين؛ يصونُ القانونَ قبل أن يصونَ المصالح، ويحمي الملاحةَ قبل أن يحمي التجارة، ويكفُّ يدَ المعتدي قبل أن تمتدَّ نيرانُ العدوان. فليس الاعتداءُ على السفائن اعتداءً على دولةٍ فحسب، بل على سيادةِ الدول؛ وليس التهديدُ للممرات البحرية تهديدًا لإقليمٍ وحده، بل للنظامِ الدوليِّ في أصوله، وللتجارةِ العالميةِ في فصوله.

ومن نكثَ عهدَه، وخالفَ ميثاقَه، واعتدى على جيرانه، فلا يلومنَّ إلا نفسَه إذا اجتمع العالمُ على ردعِه، واتحد على كفِّ عدوانِه. فالقانونُ لا يُحمى بالخطب، وإنما يُحمى بالمواقف؛ ولا تُصان البحارُ بالأمنيات، وإنما تُصان بالعزائم؛ ولا تبقى الممراتُ آمنةً حتى يكون العدوانُ مكلفًا، والردعُ حاسمًا، والسلامُ غالبًا.

وستبقى مملكةُ البحرين، بعونِ الله ثم بقيادةِ سيدي جلالةِ الملكِ المعظَّم، حفظه الله ورعاه، محفوظةَ الحِمى، مصونةَ الثرى، مرفوعةَ الراية، عصيَّةً على العدوان. ولن تنالَ منها يدُ عدوان، ولا يُوهِنَ عزمَها وعيدُ طغيان؛ فهي وطنٌ يصونه الله، وتحرسه قيادته، ويذود عنه شعبُه بإيمانٍ لا يلين، ويقينٍ لا يستكين.